#dfp #adsense

من جديد: إلى أين يأخذ “حزب الله” الشيعة؟

حجم الخط

يصرّ على أنه “مقاومة” في الضاحية تزامناً مع دفعه باتجاه “حسم” الصراع في الشارع وبالعنف

من جديد: إلى أين يأخذ “حزب الله” الشيعة؟

نصير الأسعد

 

منذ إنتقاله “الحاسم” إلى الداخل مباشرةً بعد حرب تموز 2006 بل بالرغم مِن هذا الانتقال، يصرّ “حزب الله” على إعلان نفسه “مقاومةً” في الداخل.


تكرّر هذا الإعلان في الأيام الماضية وفي إمتداد أحداث “الأحد الأسود”. فقمع الشغب في منطقة الشيّاح ـ مار مخايل هو قمعٌ لـ”جمهور المقاومة” وليس قمعاً لمعتدين على النظام العام في تلك المنطقة. والعلاقة بين الجيش والقوى الأمنية من جهة والمشاغبين ومن يحرّضهم في الضاحية من جهة ثانية هي علاقة بين الجيش و”المقاومة” وليست علاقة بين المؤسسات الأمنية وجهات حزبية تقف وراء أعمال الفوضى. والمطلوب مِن الجيش حماية “المقاومة” وليس حماية الدولة والنظام. والتحقيق المطلوب يجب أن يحدّد من أطلق النار على “المقاومة” وليس أن يحدّد كلّ الظروف المتدخّلة في أحداث “الأحد الأسود” ونتائجه.


استخدام الفوضى والعنف “الشارعيّ”
المشكلةُ مع “حزب الله” تبدأُ هنا ولا تنتهي.


فالحزب “مقاومة معلّقة” في الجنوب في ضوء القرار 1701 الذي أرسى ثنائية الجيش ـ “اليونيفيل” جنوباً. لكنّه قطعاً ليس “مقاومة” في الداخل اللبناني.
ذلك انّ ما يشهدُه لبنان منذ خريف 2006، هو استخدامٌ “مفرِط” من جانب “المعارضة” عموماً و”حزب الله” خصوصاً للفوضى والعُنف “الشارعيّ” من أجل حسم الخلاف السياسي في الشارع، على الأرض وبالقوة.
وعندما تكونُ هذه هي الحقيقة، ليس فقط من نافل القول إنّ ما يقوم به “حزب الله” لا علاقة له بـ”مقاومة”، بل هو إستقواءٌ بـ”المقاومة”، لكنّ ما يدفع باتجاهه هو الحرب الأهلية.


منع الجيش من حماية النظام العام


فمِن متابعة خطاب “حزب الله”، يتبيّن انّ ما يريدُه من الجيش هو “الحياد” في الحدّ الأدنى. يريدُ الحزب “حيادَ” الجيش عن حماية مؤسسات الدولة، وعن حماية النظام العام، كي يتسنّى له بالفوضى والعنف “الشارعيّ” حسم الخلاف السياسي بالقوّة، أو كي يتسنّى له إستخدام القوة العسكرية. فما يقوم به الجيش ليس حماية فريق 14 آذار كفريق سياسي، لانّه بالضبط يحمي البلد من إنزلاق الخلاف أو الصراع السياسيّ إلى حرب أهلية. ومع ذلك، فإنّ “حزب الله” ليس راضياً.
ومن متابعة خطاب “حزب الله”، يتبيّن أيضاً، فضلاً عن إستقوائه بسلاحه انّه يروّج لمقولة انّ الفريق الآخر مسلّح. والحال انّه بترويجه هذا، يبدو انّه يحثّ الفريق الآخر على التسلّح، كي تقع “الواقعة” التي يعتقد انّ من شأنها حسم الخلاف أو الصراع السياسيّ.


إنّ خطاب “حزب الله” يستظلّ بصفة “المقاومة”، لكنّه في عمقه خطابُ “حسم”. ولأنّه كذلك فهو خطاب حرب أهليّة وفقاً لكلّ المؤشّرات الآنفة.


“حزب الله” لا يملك إمتيازاً في الحرب الداخلية
عند هذا الحدّ من التوصيف، من المهمّ جدّاً لفتُ “حزب الله” إلى عددٍ من النقاط الرئيسيّة.
النقطة الرئيسية الأولى في هذا المجال، هي انّ الجيش عندما لا يعود محايداً بالمعنى الدقيق للكلمة، أي عندما لا يعود مسؤولاً عن أمن الدولة والمجتمع تصبحُ الحرب الأهلية “قائمة” فعلاً.
والنقطة الرئيسية الثانية هي انّ “حزب الله” إذا استمرّ في الدفع نحو “الحسم” أي نحو الحرب الأهلية، لا يملكُ أيّ “إمتياز” في الحرب الداخلية.


صحيح انّ “حزب الله” يملك الآن ترسانةً عسكرية. لكن لا “قيمة” للشطر الأكبر من هذه الترسانة في حرب داخلية. و”قانون” الحروب الداخلية يفيدُ انّ أيّ طرفٍ يواجهه الحزب هو معادلٌ له بالقوة على أقلّ تقدير. وعليه، فانّ “حزب الله” يستطيع “التخريب”.. لكنّه لا يستطيع “الإنتصار”، لأنّ أحداً لا ينتصرُ في حرب أهلية.


والنقطة الرئيسية الثالثة، مأخوذةٌ من التجربة، هي انّ كلّ طائفة، أو كلّ فريق يصادر تمثيل طائفة ليفجّر بواسطة هذه المصادرة حرباً داخلية، سيخرجان ـ أي الطائفة أو من يصادر تمثيلها ـ من الحرب مثقَلين بجراح كبيرة جداً.


الضربة التي تلقّاها الشيعة من حروب المخيّمات


والنقطة الرئيسية الرابعة، مأخوذة من حقل التجربة أيضاً، تفيدُ انّ الشيعة عندما أقحموا في “حروب المخيّمات” في الثمانينات من القرن الماضي، تلقّوا ضربةً سياسية ومعنوية كبرى في المنطقة العربية، اقتضت جهوداً مضنية لـ”الشفاء” منها، فكيف إذا أُقحم الشيعةُ في صدام مع “لبناني آخر”؟. انّ الحديث هنا هو عن “الرأي العام” العربيّ وليس عن “النظام العربيّ”.


أمّا النقطة الرئيسية الخامسة، في هذا الإطار، فهي انّ الدفع بالشيعة إلى “الأتون” إنما يتمّ لحساب النظام السوري بالدرجة الأولى، أي لتمكينه من تحسين شروطه التفاوضية سواء مع المجتمع الدولي أو مع النظام العربي. والحال انّ هذا النظام بالتحديد أبدى إستعداده أكثر من مرّة، بالتفاوض مع إسرائيل أو بـ”عروض” إلى دول كبرى لـ”بيع المقاومة ورأسها” إذا لبّيت متطلباته “الوجوديّة” الأخرى.


ليفعل بـ”المقاومة” ما يشاء.. لكن الشيعة؟
ما الإستنتاج الجوهريّ من كلّ ما تقدّم؟


يصرّ “حزب الله” على إعلان نفسه “مقاومة” في الضاحية، فيما هو ممعنٌ في خطّ “حسم” الصراع السياسيّ في الشارع وبالعنف، زاجّاً الشيعة في مصادمات مع الطوائف الأخرى.


السؤال ليس إلى أين يأخذ “حزب الله” ما يسمّيه “المقاومة”؟ له أن يفعل بـ”المقاومة” ما يشاء.
لكنّ السؤال هو إلى أين يأخذ “حزب الله” الشيعة؟. فهنا، ليست له حريّة أن يقرّر مصير طائفة بكاملها.
لا مصلحة للشيعة في التصادم مع الطوائف الأخرى. ولا مصلحة للشيعة في خسارة كونهم طائفة مؤسسة في الكيان. ولا مصلحة للشيعة في خسارة المدى العربي والإسلامي. ولا مصلحة للشيعة في خوض حرب النظام السوري في لبنان وعلى لبنان. أمّا “المشاركة” فعنوانٌ مزيّف لتشتيت الإنتباه باتجاه آخر.


على أيّ حال، اقترن مطلب “المشاركة” الإسلاميّ في التاريخ اللبناني الحديث، بمقولة “الحرمان” الشيعية. أليس لافتاً للإنتباه انّ مقولة “الحرمان” سقطت من خطاب “حزب الله” لحساب مقولتين وضعتا في مرتبة “أسطورية”: مقولة “المقاومة” من ناحية ومقولة “النصر الإلهي” من ناحية أخرى، وقد غدتا بـ”أسطوريّتهما” تأسيسيتين في الخطاب “الثقافي” والسياسيّ للحزب؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل