تخوف عربي من الالتفاف على انتخاب سليمان والمبادرة
مصادر ديبلوماسية : سورية تدرك ان للعبة تمرير الوقت حدوداً
محمد شقير
قد لا يكون الموقف الذي أعلنه سابقاً وزير الخارجية السوري وليد المعلم من ان بلاده لن تضحي بمصالحها من أجل إنجاح القمة العربية التي تستضيفها في الأسبوع الأخير من الشهر المقبل، حاسماً ونهائياً في ضوء المعلومات المتوافرة لـ «الحياة» من مصادر ديبلوماسية عربية، مفادها ان القيادة السورية راغبة في تأمين الشروط اللازمة لإنجاح القمة وفي ضمان حضور جميع الدول العربية. وكشفت المصادر نفسها ان الاتصالات التمهيدية التي أجرتها دمشق أخيراً مع عدد من وزراء الخارجية العرب على هامش التحرك العربي لتطبيق خطة العمل العربية من أجل إنهاء الأزمة في لبنان على قاعدة دعم التوافق الداخلي على انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، عكست رغبتها في السعي الحثيث لإنجاح القمة.
وقالت المصادر عينها انه يتأكد، يوماً بعد يوم، ومن خلال الاتصالات السورية التمهيدية لاستضافة دمشق القمة العربية ان حضور جميع الدول العربية يشكل محطة رئيسة للقيادة السورية خلافاً للادعاءات التي كانت أشيعت عن أنها لا تفرط بمصالحها على حساب إنجاح القمة. ولفتت الى أن القيادة السورية في حاجة ماسة الى تأمين الإجماع العربي حول انعقاد القمة، وهذا ما يرتب عليها تقديم تسهيلات، من خلال حلفائها في لبنان، لتطبيق الخطة العربية، خصوصاً مع صعوبة عودة وزراء الخارجية العرب الى الاجتماع للبحث في مصير مبادرتهم من أجل إنقاذ لبنان، لافتة الى أن وزراء الخارجية العرب لم يحددوا في اجتماعهم الثاني أي موعد لعقد اجتماع آخر خلافاً لما فعلوه في نهاية اجتماعهم الأول، وبالتالي فإن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ملزم بالعودة الى بيروت بناء لطلب مجلس الجامعة وان عودته يجب أن تتم قبل الحادي عشر من الشهر الجاري، وهو الموعد الجديد الذي حدده رئيس المجلس النيابي نبيه بري لانتخاب رئيس جمهورية جديد للبنان.
من يمثل لبنان؟
وأكدت ان أي اجتماع جديد لوزراء الخارجية سيخصص للبحث في جدول أعمال القمة العربية على أن تعقبه جولة للوزير المعلم على الدول العربية لتسليم زعمائها، بالنيابة عن الرئيس بشار الأسد، رسائل الدعوة الى حضور القمة. لكن المصادر لاحظت في الوقت نفسه ان المعلم، سيواجه خلال جولته، وفي حال تعذر على البرلمان اللبناني انتخاب رئيس جديد، بسؤالين: الأول يتعلق بمن يمثل لبنان في مؤتمر القمة والثاني بالأسباب التي حالت دون انتخاب الرئيس وأين تقف دمشق من التأزم السياسي الراهن في بيروت.
وتابعت المصادر: «لن يكون أمام المعلم سوى الإجابة الصريحة على هذين السؤالين، لا سيما ان جهات عربية ودولية فاعلة أخذت تتساءل عن سر الحملة التي يقودها أطراف رئيسيون في المعارضة اللبنانية حليفة دمشق ضد العماد سليمان خصوصاً، وانها سبقت حوادث الأحد الأسود في منطقة كنيسة مار مخايل في الضاحية الجنوبية من بيروت».
وقالت المصادر ان الجهات نفسها أخذت تتخوف من أن تؤدي الحملة المتعاظمة ضد سليمان الى الالتفاف على المبادرة العربية تمهيداً لإسقاطها بالضربة القاضية نظراً الى أن انتخابه رئيساً للجمهورية يشكل الركيزة الرئيسة للبنود الواردة في خطة العمل العربية. علماً ان التحقيق القضائي في أحداث الأحد الأسود يجب أن يأخذ مجراه حتى النهاية لتحديد المسؤولية المباشرة عن تداعياتها الأمنية والسياسية لا سيما لجهة سقوط سبع ضحايا وعشرات الجرحى من المدنيين.
وتابعت المصادر ان هذه الجهات تخشى من أن يكون لاشتداد الحملات السياسية على سليمان شخصياً هدف وحيد يكمن في العودة بالمبادرة العربية الى نقطة الصفر بذريعة ان هناك ضرورة للتوافق على مرشح رئاسي بديل لقائد الجيش وهذا ما يعطي زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون فرصة لاستحضار أطروحاته السابقة التي اضطر الى صرف النظر عنها لمصلحة التوافق على سليمان.
ورأت المصادر ان هناك من يسعى الى إحياء الحوار الذي بدأ بين عون من ناحية ورئيس كتلة «المستقبل» النيابية سعد الحريري والرئيس الأعلى لحزب الكتائب أمين الجميل برعاية موسى من ناحية أخرى بغية تمرير رسالة للعرب أولاً وللدول الصديقة للبنان ثانياً مفادها ان لا بد من إمهال اللبنانيين للتوافق على البند الثاني من المبادرة العربية الخاص بتشكيل الحكومة وفي هذه الحال يمكن انعقاد القمة في حضور جميع الدول العربية لما سيكون لانعقادها من انعكاس إيجابي يدفع بالحوار اللبناني الداخلي في اتجاه تسريع التفاهم قاعدة لإنجاز الاستحقاق الرئاسي.
للعبة الوقت حدود
إلا أن المصادر نفسها اعتبرت ان بعض الدول العربية لن تأخذ بهذه الذريعة على محمل الجد وستربط حضورها بتحقيق الانفراج في لبنان من خلال التزام جميع الأطراف بالمبادرة العربية. ولفتت المصادر الى زيارة وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي لسلطنة عمان ولقائه وزير خارجية الأخيرة يوسف بن علوي بن عبدالله أحد أعضاء اللجنة الوزارية العربية الخماسية، كما لفتت الى زيارة رئيس وزراء قطر وزير خارجيتها حمد بن جاسم بن جبر الى الرياض، مشيرة الى ان لهاتين الزيارتين ارتباطاً مباشراً بالتطورات المتسارعة في لبنان، ومؤكدة ان كبار المسؤولين السعوديين لا يزالون على موقفهم لجهة ضرورة تنفيذ المبادرة العربية بسرعة ومن دون تردد.
واعتبرت ان إنجاح المبادرة العربية يشكل المدخل الوحيد لإنجاح القمة في دمشق نظراً الى أن القيادة السورية، على رغم سياسة المكابرة التي يتبعها بعض المسؤولين السوريين، ليست في وارد التفريط في استضافة القمة وإنجاحها لما تشكل من حماية عربية، ومن خلالها دولية للنظام السوري من شأنها ان تعيد اليه الفرصة لإعادة تصحيح علاقاته العربية ولتحقيق فك اشتباك مع المجتمع الدولي، خصوصاً ان طهران بدأت تتهيّب ما سيؤول اليه الوضع في لبنان في حال استمر الفراغ في رئاسة الجمهورية لا سيما بالنسبة الى دفع الأمور باتجاه المزيد من الاحتقان المذهبي.
وأوضحت المصادر ان دمشق، وان كانت تراهن على عامل الوقت كعنصر ضاغط على الأكثرية لدفعها الى تقديم المزيد من التنازلات، فإنها تدرك ان للعبة تمرير الوقت حدوداً لن تستمر الى ما لا نهاية، إضافة الى ان النظام السوري لا يتحمل تداعياتها إذا كان يريد فعلاً إنجاح القمة وإلا سيترتب عليه الدخول في مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي. وهذا يستدعي ان تكون لديه حسابات عربية ودولية جديدة.