#adsense

مسألة فيها نظر!

حجم الخط

مسألة فيها نظر!

علي حماده

 
في صحيفة “هيرالد تريبيون” الصادرة امس مقال في صفحة الرأي للمؤرخ ايان كيرشو المتخصص بتاريخ النازية والذي اصدر احد اهم المراجع التاريخية حول شخصية الفوهرر الالماني بعنوان: “هتلر”. والمقال الذي صدر لكيرشو حمل عنوانا لافتا لنا نحن اللبنانيين في هذه المرحلة: “كيف تنتج الديموقراطية وحشا”. والمعنى كيف ينمو وحش التوتاليتارية او الشمولية في احشاء الديموقراطية مستغلا آلياتها لبلوغ السلطة، ومن ثم الانقضاض عليها لتدميرها وانشاء نظام توتاليتاري على انقاض نظام ديموقراطي.


بالطبع يبني الكاتب مقولته على تجربة المانيا في العشرينات عارضا للنمو البرقي للحركة النازية في الانتخابات الوطنية، من 2,6 في المئة في انتخابات 1928، الى 18,3 في انتخابات 1930، فـ37,4 في المئة عام 1932، بحيث صار يستحيل قيام حكومة من دون دعم النازيين. وفي 1933 اضطر الرئيس الالماني بول فون هندنبورغ الى استدعاء هتلر لترؤس حكومة ائتلافية. والتتمة معروفة: من الائتلافات الى التصفية التدريجية للقوى السياسية الاخرى، فالاستيلاء التام على السلطة، ثم قيام الرايخ الثالث، فالحرب العالمية الثانية التي قادت الى تدمير المانيا ومعها نصف العالم.


ولعل التاريخ يعلمنا ان التأييد الشعبي العارم الذي حظي به هتلر ونظامه لم يحم المانيا من الذهاب مباشرة نحو كارثة محققة.


في دارنا نحن قوى الشمولية تحمل ايديولوجيا ثابتة، تمارس مع الآخر سياسة الخطوات المرحلية عاملة بتصميم على تغيير المعطى الوطني تارة بوسائل مشروعة، وطورا بفرض امر واقع لا قدرة للقوى الاخرى، ولا سيما الديموقراطية العزلاء، على التصدي له سوى بالمواقف. هذه القوى الشمولية تدرك ان رحم النظام الديموقراطي الذي تنمو فيه يوما بعد يوم، هو الحارس رغما عنه لمشروعها الواقع على طرف نقيض.


في لبنان، ثمة من يعرف انه ساعة قيام دولته الفئوية لم يحن بعد، وفي الانتظار لا بد له من استغلال الديموقراطية اللبنانية، والتركيبة التعددية في سبيل منع قيام دولة مدنية. من هنا تعطيل المؤسسات الدستورية بما يؤدي في نهاية الامر الى قتلها، في الوقت الذي تقوم فيه الدولة البديلة!


في لبنان قوى استقلالية يفترض ان تدرك انها تعيش في وطن التسويات، وانه لا بد من البحث دائما عن تسوية تقوم عليها صيغة التعايش، والمشاركة في الحكم. ولكن، للمرة الاولى في تاريخ لبنان الحديث، يقف معظم اللبنانيين بمن فيهم فئة كبيرة من الشيعة بازاء تحد تاريخي يتعدى في أبعاده ونتائجه كل صراع على سلطة: انه تحدي انقضاض مشروع ايديولوجي مدجج بالسلاح، والمال، والمؤسسات على دولة كل لبنان، اي على اطار الصيغة في لبنان. من هنا اهمية النظر الى التحدي باعتباره تحديا وجوديا، لا مجرد سباق تقليدي على السلطة والمنافع، مما يفرض نمطا آخر من التفكير والفعل.


بعد توقيع رئيس الحكومة البريطاني نيفيل تشمبرلن عام 1938 معاهدة ميونيخ اثر ازمة اجتياح المانيا النازية لمنطقة السوديت التشيكوسلوفاكية، ظن كثيرون ان العالم فاز بالسلام. وحده ونستن تشرشل قال واصفا ظروف من وقعوا المعاهدة: “كان عليهم ان يختاروا بين الحرب والعار. فاختاروا العار، وسيحصلون على الحرب”!
مسألة فيها نظر!

المصدر:
النهار

خبر عاجل