عصفور واحد بحجرين ؟!
راجح الخوري
تخوض المعارضة سلسلة من الحروب في كل الاتجاهات. مع تجمع 14 آذار طبعا. ومع الحكومة “البتراء” والمطالبة دائما باجتراح المعجزات في كل شيء من الامن الى الكهرباء.
مع مجلس النواب المقفل بانتظار المعجزة الاخرى، اي ان تصير الاقلية اكثرية برلمانية ليتم تزييت الاقفال ومع بكركي التي لا حق لها الا في النذور والبخور بينما لغيرها من المرجعيات الحق في كل الجمر والنار!
هناك ايضا ملامح اشتباك كلامي مع الجيش وهو ما استدعى اول من امس ردا واضحا وبيانا صريحا من مديرية التوجيه. وقد اتى بعد سلسلة من القصف الكلامي على قوى الامن الداخلي.
ويبدو ان الامور متجهة الآن الى اشتباك اوضح مع قائد الجيش العماد ميشال سليمان بعد فترة من اطلاق الشكوك والتساؤلات من حوله تمهيدا لسحب هالة الوفاق عنه!
ولكن آه من ذلك “التوافق” الذي يصر المعارضون دائما على ان يخرج من رحم سياساتهم، بما يعني انه يصبح فورا سلاحا لفرض التعطيل وتعميق الانقسامات بين اللبنانيين.
وفي هذا السياق تشكل قصة ترشيح قائد الجيش نموذجا صارخا. فلقد كان الرجل ضمنا مرشح المعارضة الاول للرئاسة كما اعلن معظم قادتها، في حين عارضت الاكثرية بداية هذا الترشيح انطلاقا من امرين مبدأيين:
معارضة تعديل الدستور ولهذا الامر ذكريات كارثية تتصل بعهد الرئيس اميل لحود حصرا. وايضا عدم الحماسة لرئاسة العسكريين.
بعد وقوع المقام الرئاسي في الفراغ، ازدادت الاكثرية اقتناعا بان المعارضة او بعضها على الاقل يدفع بايحاءات خارجية نحو المضي في الفراغ اكثر فاكثر، وعند هذا الحد وحرصا على لملمة الاوضاع اعلنت الاكثرية انها مستعدة لقبول تعديل الدستور بما يفتح الباب امام قائد الجيش كمرشح توافقي.
وقال المعارضون، وقد احرجهم موقف الاكثرية:
هذه مناورة واكاذيب والمطلوب من “جماعة 14 شباط” ترشيحه رسميا. فتم ترشيحه رسميا في بيان طويل عريض. وهنا بدأت الشكوك المصطنعة والتساؤلات المبيتة: لماذا ترشّح الاكثرية سليمان؟ ماذا جرى في ليل؟ ماذا تغير؟ ما هو السر؟ اكيد سليمان تغير، اولم يقم بزيارة الدكتور سمير جعجع مثلا؟ اولم يتصل بفلان او علتان؟ ولكأن مفهوم التوافق ان يشن سليمان الحرب على جامعة 14 آذار!!
وكان الفرنسيون قد يئسوا هم والاوروبيون ورفعوا العشرة وتركوا “العصفورية اللبنانية” تدبّر امورها. ولكن مع ترشيح سليمان بدا لوهلة ان هناك نقطة اجماع بين اللبنانيين هي الرئيس التوافقي ميشال سليمان التي يمكن البناء عليها لوضع حل ينهي هذه الازمة المستفحلة التي تهدد باغراق لبنان في الصراعات والحروب الاهلية من جديد.
اما خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الذي سبق ان قال في قمة الرياض: “ان لبنان في القلب وفي العين”، كما سبق ان اشرف على جهود حثيثة وطويلة وعلى مدار الساعة يبذلها السفير السعودي د. عبد العزيز خوجه مع كل الافرقاء حتى الآن بحثا عن تسوية عبر الحوار والتفاهم بين اللبنانيين، فقد التقط فرصة الاجماع على سليمان كمنطلق ايجابي يؤسس لتسوية تنهي الازمة، فأوعز الى وزير خارجيته الامير سعود الفيصل بطلب عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في الجامعة العربية، وهو ما اثار حماسة المصريين ايضا، فكان الاجتماع الاول وكانت “المبادرة العربية” التي سيتم رجمها بالحجارة في بيروت ومطالبة الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى وكل العرب، بان يذهبوا الى دراسة اللغة العربية قبل وضع المبادرات واعطاء التفسيرات ورفض منطق المثالثة والثلث والتعطيل.
اما خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الذي سبق ان قال في قمة الرياض: “ان لبنان في القلب وفي العين”، كما سبق ان اشرف على جهود حثيثة وطويلة وعلى مدار الساعة يبذلها السفير السعودي د. عبد العزيز خوجه مع كل الافرقاء حتى الآن بحثا عن تسوية عبر الحوار والتفاهم بين اللبنانيين، فقد التقط فرصة الاجماع على سليمان كمنطلق ايجابي يؤسس لتسوية تنهي الازمة، فأوعز الى وزير خارجيته الامير سعود الفيصل بطلب عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب في الجامعة العربية، وهو ما اثار حماسة المصريين ايضا، فكان الاجتماع الاول وكانت “المبادرة العربية” التي سيتم رجمها بالحجارة في بيروت ومطالبة الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى وكل العرب، بان يذهبوا الى دراسة اللغة العربية قبل وضع المبادرات واعطاء التفسيرات ورفض منطق المثالثة والثلث والتعطيل.
في 27 كانون الثاني الماضي ذهب وزراء الخارجية للاستماع الى تقرير موسى واجروا تعديلا على المبادرة أبقى الغموض في البند الثاني المتعلق بمسألة الحصص الحكومية تاركا للامين العام بحث الامر مع الافرقاء اللبنانيين، واعطى تطمينات مسبقة لـ”حزب الله” تحديدا حول الاتجاهات السياسية للحكومة الجديدة.
ولكن منطقة مار مخايل كانت تشتعل بتظاهرات مطلبية حيث سقط ضحايا في سلسلة من الاحداث الدامية والمؤلمة والمستنكرة طبعا، وفُتح تحقيق سريع وغير متسرع كما اشترط الرئيس نبيه بري وقد اثنى الجميع على جديته وواقعيته.
ولكن منذ بداية التحقيقات نشرت سلسلة من الاخبار والمعلومات، اضافة الى تعليقات واستنتاجات مغلوطة لبعض السياسيين تناولت الهرمية والمناقبية في المؤسسة العسكرية التي اضطرت للرد بحزم على هذا كما اشرنا.
والآن يبدو من خلال الحملة المتسعة والمتصاعدة على قائد الجيش ان هناك رغبة عند المعارضين في رفع هالة “الرئيس التوافقي” عنه، بما يؤدي ضمنا الى نسف “المبادرة العربية” من اساسها.
فعندما يزول التوافق على “الرئيس العتيد” يصبح من غير المعقول البحث في الامور الاخرى ونعود الى نقطة الصفر.
ولكن مراشقة قائد الجيش بالشكوك والتساؤلات المغرضة ليست كافية في نظر البعض، لان القصف العميق والبعيد على عمرو موسى والمبادرة العربية لم ولن يتوقف. ولكأن هناك رغبة في اصابة عصفور بحجرين.
بمعنى ان ترسيخ انزلاق لبنان في الفراغ لا يستدعي اسقاط ترشيح سليمان فحسب، بل ايضا دفن “المبادرة العربية” في جبانة المبادرات الميتة وآخرها الفرنسية والاوروبية.
ليس هذا فحسب، بل هناك الآن بداية قصف استكشافي بهدف “تمشيط” المساحة التي قد تقود الى التدويل، بعد سقوط المبادرة العربية!