المروّجون لمحاولة اغتياله يعودون الى الواجهة بالتزامن مع معلومات عن إعداد عملية جديدة بدوافع كثيرة
الياس المر: شبح 12 تموز يحوم مجدداً.. ولكن
فارس خشّان
فارس خشّان
من ضمن الشخصيات السياسية اللبنانية التي يحوم خطر الاغتيال حولها، يبرز نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع الياس المر.
المعلومات الأمنية تشير الى ذلك، والتقارير ذات الصلة موضّبة حيث يجب، وتتم متابعتها كما يجب، خلافاً لسابقة العام 2005 التي نجا منها المر بأعجوبة.
المعلومات الأمنية تشير الى ذلك، والتقارير ذات الصلة موضّبة حيث يجب، وتتم متابعتها كما يجب، خلافاً لسابقة العام 2005 التي نجا منها المر بأعجوبة.
المتابعة كما يجب، لا تعني الملاحقة المستحيلة للقتلة المفترضين ـ بفعل تمتعهم بمظلة البؤر الأمنية ـ فحسب، بل تعني أيضاً التدقيق في التهجمات والاتهامات التي يتعرّض لها المطلوب تصفيته جسدياً.
في العام 2005، كانت ثمة فجوة تفصل بين القاتل المتحرّك وبين السياسي المحرّض. فجوة سبّبها موقع الياس المر العلني. ظاهرياً كان قيادياً بارزاً في فريق رئيس الجمهورية آنذاك أميل لحود، وتالياً فحمايته كان يُفترض أن تنبع حصرياً من “انتمائه” السياسي. كان يستشعر الخطر في التقارير الأمنية الرسمية التي تصل إليه بصورة غير رسمية، وكان يُتابع بدقة الحملة التي تستهدفه، في مقابل الإهمال العمدي الذي كان فيه، فلا وقاية توافرت له، ولا رفعاً للصوت دفاعاً عنه في “الغرفة السوداء”، بل شروط كانت تنهمر عليه من كل حدب وصوب، حتى فهم حين استيقظ من صدمة انفجار النقاش في الثاني عشر من تموز، أنه كان “محلّلاً للذبح” إن لم يندمج بشروط “بيت الطاعة”، حيث لا مكان إلا لنوعين من البشر: العدو أو العميل.
حالياً اختلفت الأمور، فالخطر ليس قدراً لا مفر منه، بل لعبة يمكن مجاراتها حتى الانتصار. موقع المر السياسي لم يكن واضحاً كما هو عليه حالياً. المروّجون لقتله لم يعودوا قادرين على الاختباء وراء مبرر حرية التعبير عن الذات والعواطف والطموحات والأحجام، والمتحركون بسيارتهم المفخّخة لا تُستجدى إنسانيتهم في الكواليس التي كانت متصلة بالقصر الجمهوري، بل باتت تُجابه بعمليات ميدانية لا تهدأ.
في العام 2008، لا يُتابع الياس المر التحقيق في جريمة محاولة اغتياله بمعادلات العام 2005 بل بقواعد اللعبة المكشوفة على الحاضر. في ذهنه لا تستطيع لجنة التحقيق الدولية أن تكتفي بالسؤال عن الدوافع الى تفجير سيارته في دفاتر ذلك الزمن فحسب، بل عليها أن تبنيها أيضاً من حواضر اليوم، لأن المنفّذ قد يكون اختفى أو أُخفي في بلاد الجريمة الواسعة، ولكن أولئك الذين وفّروا له أرضية العمل عادوا ليحوموا حول ضحيتهم، فليس ضرباً من العبث أن يكون أولئك الذين يعملون على الإطاحة به اليوم بالتزامن مع توافر المعلومات عن عملية اغتيال تستهدفه، هم أنفسهم أولئك الذين اقتلعوه من وزارة الداخلية بخطة مدروسة جداً بعد حملة اتّهمته ببيع “رأس المقاومة الى الأميركيين” ومن ثم “التآمر مع الرئيس رفيق الحريري” ومن ثم “تحريض لحود بفاكس مُرسل من جنيف على فك ارتباطه بقادة الأجهزة الأمنية وإقالتهم والموافقة على تشكيل لجنة تحقيق دولية”.. قبل أن يطلوا من على باب المستشفى التي نُقل إليها ليُتاجروا بدمه في محاولة ـ باءت بالفشل ـ لتبرئة أنفسهم من دماء رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وقبلهم جميعاً “زميل التجربة” مروان حمادة.
وحده الياس المر يستطيع أن يُقاطع الشروط التي تمرّد عليها بالأمس فأباحت دمه، بالشروط التي يرفضها قطعياً اليوم فاستدعت اشتهاء دمه.
في التحليل يمكن التوقف عند معادلات في شخصيته وأدائه جاذبة للقتلة، فالياس المر هو تقاطع مسارات، ففيه شيء من التحقيق وشيء من الأمن وشيء من الرئاسة وشيء من انتخابات العام 2009.
في التحقيق في قضيته، هو شاهد ملك على اللعبة المتكاملة للأمنين اللبناني والسوري، كما في قضية الحريري كما في قضية مروان حمادة التي سُحب الاستقصاء من عهدته بعدما حدّد البقعة الجغرافية التي فيها تحضّر المجرمون.
وفي الأمن، هو وزير للدفاع يتحمّل مسؤولية كاملة في بلورة القرار وفي اتخاذه وفي متابعته. مسؤوليته واضحة في مقاومة الخط الأحمر الذي ارتسم على “فتح الإسلام” في مخيّم نهر البارد، وفي متابعة رسم الجسر الجوي الذي وفّر للجيش اللبناني ما كان ينقصه من ذخائر، وفي الدفع باتجاه توفير ما تحتاجه المؤسسة العسكرية من دعمين مادي ومعنوي، وفي “تقنين” رخص حمل السلاح التي كانت “فالتة”، وفي مراقبة رخص التنقل الحر لمن كان بحاجة الى غطائها، وفي متابعة تنفيذ القرار 1701، وغيرها الكثير مما تعتبره أطراف إنجازات وتجد فيه أطراف أخرى.. خيانات.
وفي الأمن أيضاً وأيضاً، لا يُحاسب الياس المر على ماضيه، بل على مستقبله، ككل من اختارهم الإجرام أهدافاً.
وفي الرئاسة، يقف الياس المر بقوة الى جانب ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان. كان على طول الخط إلى جانبه. بدا منذ زمن طويل على معرفة بخصاله وبميزاته التفاضلية. واجه كثيرين في الطبقة السياسية ممن كانوا يُحاولون رسم صورة مغلوطة عن قائد الجيش. كبت عواطفه السياسية، فلم يفجّر مواقف كان من شأنها أن ترتد عكساً على صورة الجيش الحيادي. مسح بجلده أخطاء تقييمية كانت ترده من مرجعيات الحسم الميداني في المؤسسة العسكرية. يقف بصلابة الى جانب الجيش اللبناني الذي انتصر في نهر البارد بتكلفة عالية وممنوع “مرمغة” جبينه في شوارع الاضطرابات السياسية. البعض يهمس عارفاً: طريق سليمان الى بعبدا يجب أن تمر على جسد المر.
وفي النيابة، حصر الإرث السياسي انتهى. المخضرم ميشال المر اتّخذ القرار بالنسبة للعام 2009، ولكنه لم يرفع يده عن “الملكية”، لأنه الأدرى بطريقة نقلها الهادئة والفاعلة الى من تأكد أنه يستحقها، ليس بالصلة فحسب بل بالجدارة أيضاً. فعل ذلك، بعدما تفوّق في منع أي كان من إقفال بيته السياسي، وبعدما أفهم، قبل أشهر بالملموس، من حاول أن يتزعّم المتن أنّه وحده الزعيم، فكميل خوري لم تصل إليه اللوحة الزرقاء إلا لأن ميشال المر سار مع ميشال عون. الجميع فهم هذه الرسالة: السفراء الذين يتوافدون إليه، المبعوثون الدوليون والعرب الذين يتناوبون على زيارة منزله، وميشال عون الذي لا يستطيع أن يعبّر مباشرة عن غيظه، فيستخدم لذلك من يتوافر له من حلفاء، وهو على الأرجح سيندم لأنه فعل ذلك.. إن لم يكن قد ندم بالفعل.
الياس المر في خطر؟
بالتأكيد، ولكن ثمة وحدة حال بين من هم في خطر وبين وطن.