مراجعة تعاطي سورية مع مبادرات الجامعة وموسى تمهد لموقف عربي منها يتجاوز السعودية ومصر؟
دمشق توسط تركيا وقطر واليمن لإنجاح القمة العربية ونقاش داخلي حول إهدار فرصة الانفتاح الفرنسي
تتفق مصادر ديبلوماسية أجنبية في بيروت مع مصادر سياسية وثيقة الصلة بالاتصالات الجارية حول الأزمة اللبنانية على القول إن الوضع اللبناني يتجه الى المزيد من التعقيد والصعوبات على الصعيد الخارجي، وأن التباعد السعودي – السوري والمصري – السوري يزداد اتساعاً على أبواب القمة العربية المزمع عقدها في آخر آذار (مارس) المقبل في دمشق بسبب الاعتقاد السائد لدى معظم الدول العربية بأن سورية أفشلت المبادرة العربية لمعالجة مسألة الفراغ الرئاسي في لبنان والخلاف بين الأكثرية والمعارضة على نسب التمثيل في حكومة الوحدة الوطنية، ما يضع القمة العربية في دائرة الفشل المسبق قبل زهاء 40 يوماً من عقدها.
وتقول المصادر الديبلوماسية إن على رغم أن دمشق حرصت على الفصل بين الخلاف على الأزمة اللبنانية مع السعودية ومصر، وبين القمة، وبين هذه الأزمة وبين العلاقات الثنائية، وأوحت بأنها لن تقبل بمقايضة حضور زعماء عرب للقمة بمصالحها وفق ما تراها في لبنان، فإن القيادة السورية أدركت قبل مدة أن غياب القيادتين المصرية والسعودية عن القمة ستكون له آثار سلبية على موقعها العربي وحتى على علاقاتها العربية ويعيدها الى شيء من العزلة بعد أن كانت نجحت في الأشهر الماضية في إحداث اختراقات لفك الحصار عنها بسبب الأوراق التي امتلكتها في لبنان بالتعاون مع حلفائها، وفي غيره. وذكرت المصادر نفسها أن إحساس دمشق بهذه السلبيات دفعها الى توسيط جهات عدة من أجل تفادي قمة عربية ناقصة ومن هذه الجهات قطر واليمن وتركيا، خصوصاً ان الجانب القطري أبلغ القيادة السورية من موقع الصداقة معها «اننا معكم ولكنكم أخطأتم وأقفلتم أبواباً لتحسين علاقاتكم العربية والدولية بعد أن بذلنا جهداً من أجل فتحها…».
وتضيف هذه المصادر ان الموقف من تعاطي دمشق مع الأزمة اللبنانية لم يعد موقفاً سعودياً، أو مصرياً فقط لأن موقفاً عربياً عاماً بدأ يتبلور في شأن عدم تجاوبها مع المبادرات العربية، وأن حركة عربية تجرى حالياً بوتيرة سريعة من أجل تظهير المعادلة المقبلة، قبل القمة العربية أو مع عقدها، بالاستناد، ليس فقط الى العقبات التي واجهت جهود الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الأخيرة لتطبيق المبادرة العربية، بل بالاستناد الى مسار المحاولات العربية التي بذلت مع دمشق كي تسهل عودة الأزمة اللبنانية الى المؤسسات منذ سنة، ولا سيما القرارات التي اتخذت في الجامعة العربية، بإجماع عربي. وتشير المصادر الى القرار العربي الذي اتخذ في شهر حزيران (يونيو) الماضي، بعد اندلاع معارك مخيم نهر البارد واغتيال النائب وليد عيدو والذي نص على دعم لبنان في مواجهة الإرهاب وضبط تهريب الأسلحة على الحدود… الخ، ومساعدة اللبنانيين على معالجة الأزمة السياسية، وهو القرار الذي كلف موسى بموجبه بمهمة جديدة في لبنان (بعد مهمتين قبلها) زار خلالها لبنان مرتين ودمشق وانتهت جهوده الى الفشل بعد أن اشترطت القيادة السورية اجتماع قمة ثلاثياً مع مصر والسعودية اللتين اشترطتا من أجل الموافقة عليه أن تترجم دمشق بالملموس معالجة على الأرض في لبنان، للتأزم السياسي الحاصل، نظراً الى عدم ثقتهما بالوعود السابقة خصوصاً تلك التي قطعها الجانب السوري في قمة الرياض العربية العام الماضي. وكشفت المصادر ان المراجعة العربية لمواقف سورية توقفت عند «اللقاءات الحادة» التي عقدت بين موسى وبين القيادة السورية في حزيران الماضي والتي بقيت طي الكتمان على ما يبدو، حول لبنان والعلاقات العربية – العربية. وفي معلومات هذه المصادر أن المراجعة العربية للعلاقة مع دمشق، قبل القمة تستعيد كل الوقائع المتعلقة بلبنان، مضافاً اليها الخلافات حول الملف الفلسطيني لا سيما بعد إفشال اتفاق مكة التي رعته الرياض وباركته القمة العربية… إذ جرى إهدار فرص كثيرة كان لبنان مدخلها انتهت الى «صدمات» كما يصفها بعض العرب من الموقف السوري. وهي صدمات تراكمت الى درجة ان بعض المسؤولين العرب الذين لا يقيمون وزناً للتصريحات المضادة للمبادرات العربية من سياسيين لبنانيين حلفاء لدمشق باتوا ينظرون الى الحملات الأخيرة التي تعرض لها موسى من بعض هؤلاء على انها مهينة وان مصدرها الجانب السوري… وصولاً الى الانزعاج من محاولة تقويض المبادرة الأخيرة بنسف ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان للرئاسة بالدعوة الى استبدال آخر به.
وفي معلومات هذه المصادر إن النقاش العربي الضمني الجاري حول العلاقة مع القيادة السورية تجاوز تفاصيل الأشهر المنصرمة التي جرى التوقف عندها ملياً الى السعي للحصول على أجوبة لأسئلة من نوع: ماذا يعني التضامن والإجماع العربيين (على قرارات محددة) وكيف يجب التعاطي مع عرقلة تنفيذ قرارات الجامعة على المستويات كافة؟… الخ.
وتقول مصادر سياسية لبنانية، ان صدى الموقف العربي في دمشق، فضلاً عن عودة العلاقة بينها وبين باريس الى المربع الأول إثر انفتاح إدارة الرئيس نيكولا ساركوزي عليها بتشجيع من قطر الصديقة للجانبين، وعدم ارتياح موسكو الى استمرار عرقلة انتخاب رئيس جديد للبنان، كانت عوامل أدت الى نقاش داخلي في سورية حول مسألتين بارزتين:
1- إضاعة فرصة تحسن العلاقة مع فرنسا بعد الانفتاح الذي قام به ساركوزي على الجانب السوري، والذي أدى الى مواقف وسطية من قبله حيال الأزمة اللبنانية بدءاً من عقد ندوة سان كلو الحوارية التي شملت انفتاحاً على «حزب الله»، فيما العلاقة الآن تقوم على رفض ساركوزي البحث بأي تحرك مع دمشق خارج إطار المبادرة العربية. وهذا ما تكرس من خلال رفض باريس التعاطي بإيجابية مع الرسالة التي نقلها رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني حول استبدال العماد سليمان كمرشح توافقي.
2- ان دمشق اكتسبت شرعية مواقفها ودورها، تاريخياً، من انسجامها مع حد أدنى من التضامن العربي، ولهذا شواهد كثيرة بدءاً من إنشاء قوات الردع العربية عام 1976 في قمة القاهرة، مروراً بمشاركتها العرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1990، وبالتوافق على رعاية اتفاق الطائف، فيما تتجه الأمور الآن الى نزع الشرعية العربية عنها في عدد من السياسات الإقليمية، ولا سيما في لبنان لتفقد الحد الأدنى من الغطاء العربي.
وفي وقت تقول هذه المصادر إن نتائج النقاش السوري الداخلي حول هاتين المسألتين دفعت دمشق الى توسيط دول مع الرياض والقاهرة، على صعوبة الوصول الى نتائج إذا لم يقترن الأمر بحلحلة واضحة في لبنان، فإن المصادر السياسية نفسها تنظر الى عدد من المؤشرات الدولية على أنها دليل تبرم من السياسة السورية في لبنان مثل إعلان موسكو أنها ستقدم مساهمتها في المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وإشارة تشدد مثل إعلان السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان لـ «الحياة» ان بلاده لا تضع أموالاً في المحكمة لتتحول الى صفقة، فيما يعلن مساعد الأمين العام للأمم المتحدة نيكولا ميشال لـ «الحياة» أيضاً ان «انهيار» لبنان لن يؤثر في قيام المحكمة.