#dfp #adsense

عون سقط في هاوية.. بيع الروح

حجم الخط

نصرالله فشل في نزع العلم الأصفر عن جنرال مطلوب استخدامه لمدّة أطول
في مخطط استبدال الدويلة بالدولة

عون سقط في هاوية.. بيع الروح 
فارس خشّان

 

نجح الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في حماية صورته ورمزيته بإطلالته المشتركة مع العماد ميشال عون، ولكنه فشل في مهمة تعويم “الجنرال” التائه في وادي طموحاته بين جبل ماضيه وجبل حاضره.


أنصار عون الحزبيون يجدون أعذاراً دائمة لقائدهم. هذه عادتهم وهذه طبيعتهم، ولكن الحياديين وبينهم ديبلوماسيون تابعوا العرض المسرحي المتدثر بحوار تلفزيوني دمعت عيونهم شفقة على ميشال عون الذي تقزّم في سعيه الى التعملق.
لم يحتملوا أن يروا هذا الذي يدّعي أنه الصخرة التي عليها ستتكسّر أمواج المؤامرة على اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، بصورة الولد الذي “يتبكبك” أمام “معلّمه” أو بصورة “المتّهم” الذي يسترحم “قاضيه” أو بصورة “المتلقي” الذي يُنفّذ أوامر “قائده”.


الإطلالة المشتركة لنصرالله وعون التي هدفت الى تعويم الورقات الثلاث لتفاهم مار مخايل بعدما هوت في حفرتي وسط بيروت واضطرابات مار مخايل، قزّزت النفس من هكذا تفاهمات يعقدها طامح رئاسي مع طامع بالوطن، فيُقدّم الأوّل صدقيته والتزامه ومبادئه وروحه ليأخذ من الثاني كلمات لا تقدّم ولا تؤخر لأنها ليست نابعة من صاحب صلاحية في الأساس، ككلمات وطني ونزيه وشفّاف وملتزم.


في العادة ليس سليماً أن يتنطّح قلم ليرسم صورة سوداوية لزعيمين من قامة ميشال عون وحسن نصرالله، ولكن في العادة أيضاً ليس سليماً أن يتعمّد زعيمان من هذا الحجم استغباء العقول والعيون والطموحات الوطنية، كما حصل على مدى ثلاث ساعات ونصف الساعة مساء أوّل من أمس، وكما هو حاصل من أبواقهما طوال يوم أمس، وربما اليوم وغدا وبعده، بهدف تحقيق هدف واحد لا غير، وهو محاولة من نصرالله لينزع عن عون العلم الأصفر الذي رأى الناس يُلبسونه إياه في انتخابات المتن الفرعية التي كانت، ولولا ميشال المر، هزيمة كاملة لجنرال الرابية.


إذاً اللقاء الهادف الى تعويم عون ليبقى صالحاً لاستعمالات نصرالله في المدى القريب، كان مفعماً بما يمكن تسميته “الرياء السياسي”، فكما اتفق عون ونصرالله سابقاً على إخفاء ترشيح “حزب الله” لعون حتى لا تحرقه سمة “حزب الله” الإرهابية في العالم ـ بافتراض أن المجتمع الدولي غبيّ ـ كذلك كانت تلك الإطلالة المشتركة ـ بافتراض أن الرأي العام اللبناني غبي ـ فهي خفت القرار بتصفية ميشال سليمان المرشّح، والدولة الطامحة الى استقرار سيادي، والوطن المتطلع الى انتهاء استدعاء الحروب التدميرية، والطوائف اللاهثة وراء التوقف عن استغلالها في وجه الجماعة الوطنية المشتركة.


عون ونصرالله تكلّما عن السلام الذي أشاعته ورقة التفاهم بين المسيحيين والمسلمين الشيعة، ولكنهما لم ينتبها الى أن مئات الشباب الذين تجمعوا عفوياً، في عين الرمانة يوم الأحد الأسود، بعد اختراقها لمئتي متر من ناحية مستشفى الحياة، كانوا مسيحيين، وأن أبناء الشياح الذين اتهموا أبناء عين الرمانة بممارسة أعمال القنص كانوا شيعة، كما لم يبيّنا كيف أن بإمكان جمهور “حزب الله” أن يميّز عونياً عن قواتي خاضع للتحريض اليومي منذ أكثر من سنة، تماماً كما لم يشرحا لماذا اضطر تلفزيون “المنار” أن يقصد بعبدا للحديث مع عائلة مسيحية مرتاحة بفعل التفاهم في حين أن تلفزيون “أو.تي.في” وجد ضالته في حي الأميركان المتاخم لعين الرمانة. وإذا كان نصرالله ببضع كلمات عامة وبوجه بشوش يريح سكينة الطامح، قد تخطّى الماضي الذي كان يتّهم فيه عون بأنه عميل صهيوني، خصوصاً بعد الرحلة الى الكونغرس الأميركي، فإن عون ظهر خجولاً بماض كان مليئاً بالمواقف التي تضع “حزب الله” في قبضة محافل مقاضاة الإرهابيين.


في الحاضر يتذكر عون أنه كان يقوم بدوريات في مزارع شبعا، وأن “حزب الله” قام بأعمال بطولية وأن سلاحه حاجة تستمر حتى إشعار آخر، ولكنه في الماضي الذي حاول بالأمس أن ينسفه، لم يكن كذلك على الإطلاق.
العودة الى ما قبل العام 2000 قد لا تكون منصفة لعون، على الرغم من أنّها حملت الكثير من التهجمات الإلغائية لـ”حزب الله”، ولكن العودة الى ما بعد العام 2000 تكفي.


بالنسبة لعون كان “حزب الله” متواطئاً مع إسرائيل “لتحرير قوتها التدميرية وتحليل استخدامها” (“النهار” في الرابع من شباط 2002) وبعد ستة أشهر وفي “اللواء” يعتبر أن “المقاومة تطيل أمد الإحتلال”، بعدما “أودت بالإقتصاد اللبناني” ومن ثم في “السفير” في الحادي عشر من تشرين الثاني 2004 وتوضيحاً لكلام سابق له (ولاحق طبعاً) عن أن “حزب الله” حالة تقسيمية يقول عون: “أنا أطرح تساؤلات حول معنى أن يكون لحزب الله استقلاله المادي والإداري والعسكري وحتى استقلاله في سياسة خارجية”.


بالنسبة لعون فإن نصرالله يقود ناسه في حالة غنمية وهو يقول في “النهار” في التاسع والعشرين من تشرين الثاني 2004: “كيف يقول حسن نصرالله إن من هم مع القرار 1559 هم أشد عداوة من الإسرائيليين؟ إن ذلك تحريض طائفي وإثارة للمشاعر. إنّهم يستخدمون الناس مثل قطيع الأغنام تحت ضغط العوز والحاجة والخوف، ثم يتحدثون عن الديموقراطية. يريدون استخدام من يتقاضى رواتب من حزب الله ومن الأجهزة، لأن كل الأحزاب والجمعيات لا تستطيع الحشد من دون الإرهاب”.


وفي “اللواء” في السابع عشر من أيلول 2004 قال ميشال عون: “إذا كان حزب الله يريد أن يحرر القدس فأنا ميشال عون أقول له إنني سوف أفتح لك طريق إسرائيل، تفضّل وحرّر، أمّا أن يحمل السلاح لكي يبقى في الضاحية الجنوبية، فكلا انتهى، فنحن لا نريد أن يكون السلاح وسيلة ضغط”.


وفي “النهار” في 27 شباط 2002، قال عون: “حزب الله كيان مستقل ضمن الدولة، فهو يشتغل سياسة والدولة تلحق به. وهو يرفع سعر سوريا في لبنان لا أكثر ولا أقل، والى أين امتداده ومع من؟ وما دور المقاومة؟ أنا أعرف ماذا قام به خارج إطار الشرائع والإتفاقات الدولية، وهي أعمال تنطبق عليها مواصفات الإرهاب”.


وفي “النهار” الصادرة بتاريخ الحادي والثلاثين من كانون الثاني 2005 قال عون لا فُضّ فوه: “نحن نطالب حزب الله بتسليم سلاحه لأن مهمته انتهت، واللبنانيون يدركون هذه الحقيقة وكذلك حزب الله، وقصة مزارع شبعا ذريعة ساقطة قانونا وشكلا وجوهراً والقرار 1559 يشكل مخرجاً لأن الحزب عالمياً يقع تحت تأثير القرار 1566 الذي ينص على محاربة الإرهاب”.


عون وفي كلام نقلته عنه “النهار” أيضا في الرابع والعشرين من نيسان 2004 يذهب الى أبعد من ذلك ويقول: “سواء كانت مزارع شبعا لبنانية أو غير لبنانية، ومن دون الدخول في جدل حول الغايات المشبوهة لهذه الهدية المفخخة الى لبنان، فإن تحريرها يخضع للقرارين 242 و338 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي عامي 1967 و1973 والداعيين الى وقف إطلاق النار والتفاوض حول الإنسحاب من الأراضي المحتلة وليس الى الإنسحاب الفوري كما نص القرار 425”.


طبعاً ثمة الكثير غير ذلك، إلا أن الأدهى في تلك الإطلالة التلفزيونية المشتركة أن عون كان مربكاً في تبرير الأسباب التي حالت دون إعادة اللبنانيين الهاربين الى إسرائيل، فراح يتحدث بتردد عن القضاء العسكري الى أن “نهره” نصرالله قائلاً إن المسألة سياسية، فأفاض عون متهماً الرئيس فؤاد السنيورة باستدعاء القضاة وإجبارهم على عدم التهاون. إرباك عون كان مفهوما، فنصرالله بيّن دوره الأساسي في المحكمة العسكرية عندما تحدث عن لقاءات ثنائية عقدها حزبه وقضاة المحكمة، بالإضافة طبعاً الى أن عون يعرف تماماً من يمون على القضاء بشقيه المدني والعسكري، فملفاته طوتها صفقة مع اميل لحود وسوريا بغمزة عين، وكذلك ملفات ضباط كانوا معه، بحيث انقلب الحكم بإعدام فايز كرم الى البراءة بلحظة واحدة، لا غير.


وفي باب تسجيل الفواجع المنطقية في هذه الإطلالة ـ المسرحية يقول نصرالله إن أصواته صبّت لعون في كل مكان باستثناء بيروت وبعبدا ـ عاليه والبقاع الغربي. هذا يعني أن عون كان متحالفاً مع “حزب الله” في انتخابات خاضها ببرنامج انتخابي معاد لذريعة مزارع شبعا وللسلاح التقسيمي وللدويلة المستقلة، وهو كان يتمتع بفائض أصوات “حزب الله” في الوقت الذي كان يشيّع خطاباً إنتخابياً يقوم على تحالف المسلمين ضد المسيحيين، وهو تفوّق على نسيب لحود وفارس سعيد وآخرين بحجة أن هؤلاء جزء من منظومة تحالفت مع “حزب الله” في حين كان تنسيقه الإنتخابي قائما حتى قعر المؤامرة مع هذا الحزب؟


ولو اكتفى عون بذلك، لكانت المصيبة محمولة، ولكنه ذهب بعيدا عندما وضع المرآة أمامه وقال إن الأكثرية كانت تتآمر على “حزب الله” في الإدارة الأميركية وأنها ذهبت الى واشنطن لتطيل فترة السماح قبل أن تُقدم على ما به تعهّدت. وحده إليوت إبرامز، يعرف أن عون هو الذي تعهّد بذلك، وعاد فحاول أن يسوّق كذبة البند العاشر من تفاهمه مع “حزب الله” بأنها خارطة طريق نحو تنفيذ وعده بالقضاء على الجناح العسكري لـ”حزب الله”.


نصرالله، لم يكن ينظر الى عون. عون لم يكن يتوقف عن النظر راجياً رضى نصرالله. إنّه لقاء المذنب التائب مع السيّد المطاع. إنها عودة الأب الضال، يا سمير قصير الصارخ فينا قبل أن ترتاح من مهازل الزعماء في قبر الخل

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل