فراغ رئاسي أم تفريغ الرئاسة والحكومة؟
وليد شقير
وليد شقير
بلغت الخلافات العربية حول الأزمة اللبنانية ذروة لم يسبق ان وصلتها قد تهدد بانشقاق عربي واسع، وقد تؤدي الى وضع سورية في مواجهة مع معظم الدول العربية وتنسف القمة العربية المزمع عقدها في دمشق في 28 و29 آذار (مارس) المقبل.
ومن الطبيعي ان تهتم دمشق بمعالجة الأسباب التي تقود الى ظهورها بمظهر الخارج عن التضامن العربي وتعمل على حشد صلاتها وعلاقاتها من اجل تجنب ذهابها الى النهاية في معاكستها غالبية الدول العربية. فامتناع دولتين رئيسيتين هما المملكة العربية السعودية ومصر عن حضور القمة في دمشق على مستوى القيادة سينقل الخلاف العربي حول لبنان الى مستوى جديد، لأن دولاً عربية عدة ستتضامن معهما حتى لو قرر قادتها الحضور. وحتى لو عُقدت القمة بمن حضر فإنها ستؤثر حكماً في رئاسة سورية لها خلال السنة المقبلة وفي دورها في إطار التضامن العربي والمرحلة المقبلة من العمل العربي المشترك.
وإذا كانت الخلافات العربية مع سورية تصاعدت حول لبنان في الأشهر الماضية، فإنها جاءت نتيجة تراكمات، في شأن ملفات عدة، منها الملف الفلسطيني، والملف العراقي والعلاقة مع إيران.
وإذا كانت مصر والسعودية وسائر دول الخليج أخذت تتبع سياسة خاصة بها، بالانفتاح على إيران، خصوصاً ان هذه الدول لا تؤيد سياسة القوة والعنف مع طهران التي تلوح بها على الدوام الإدارة الأميركية، فإن الملف اللبناني يبقى أساسياً نظراً الى مخاطر الفراغ الرئاسي على الوضع الداخلي وانعكاساته على الوضع الإقليمي.
هل تلجأ سورية الى «الخطة ب» في التعاطي مع الموقف العربي منها، لتفادي تصاعد التأزم في علاقاتها، والتراجع في موقعها؟ فلدى دمشق أوراق كثيرة، سياسية وميدانية تحتفظ بها لمواجهة الضغوط عليها، خصوصاً بعد ان بدت معرقلة للمعالجات المجمَع عليها عربياً. ومن هذه الأوراق ان تدعو حلفاءها الى انتخاب رئيس جديد هو قائد الجيش العماد ميشال سليمان، قبل عقد القمة العربية فتنزع حجة الجهات العربية التي قد يقاطع قادتها هذا الاستحقاق الإقليمي المهم، لتدفعهم الى حضوره فتتكرس شرعية العمل العربي المشترك انطلاقاً من دمشق مجدداً.
إلا ان لـ «الخطة ب» هذه مفاعيل أخرى إذا كانت دمشق تهدف الى تأمين عقد القمة من دون التخلي عن أوراقها الأخرى. فانتخاب العماد سليمان إضافة الى انه يعالج مشكلة الجهة التي ستوجه إليها الدعوة في لبنان لحضور القمة، سيؤدي الى حضوره القمة، لكن ما الضمانة بأن هذا الانتخاب سيؤدي الى تشكيل حكومة جديدة؟ فما الذي يمنع حلفاء دمشق من البقاء على شروطهم في شأن تشكيل الحكومة فيتعذر قيامها، بعد ان تكون حكومة الرئيس فؤاد السنيورة باتت مستقيلة حكماً وفق ما ينص عليه الدستور عند بداية ولاية رئاسية جديدة؟ وتحوّل سليمان من مرشح الى رئيس في هذه الحال سيبقيه مكبل اليدين لأن الحكومة المستقيلة التي تصرف الأعمال «على نطاق ضيق» ستكون مشلولة كلياً، فضلاً عن ان الرئاسة نفسها ستكون مشلولة لأن معظم صلاحيات رئيس الجمهورية يمارس في إطار مجلس الوزراء وليس خارجه، ما يعني تكبيل يديه في إدارة البلاد، والانتقال الى فصل جديد من التأزيم السياسي الذي قد يكون أشد وطأة وخطورة على البلاد مما هو الفراغ الرئاسي الحالي. وهو لا يعني إلا الانتقال من الفراغ الرئاسي الى الرئاسة الفارغة من مضمونها، أي ان هذا سيحول دون تعيين قائد جديد للجيش مكان سليمان، الذي ستؤول صلاحياته قائداً للجيش بغياب قائد أصيل الى رئيس الأركان الدرزي، الذي يصبح عندها هدفاً للتصويب عليه باعتبار ان قيادة الجيش للموارنة، وهو تصويب بدأ منذ الآن.
ان «الخطة ب» بهذا المعنى تصيب اهدافاً كثيرة، إضافة الى تفريغ الرئاسة من مضمونها في حال أجري الانتخاب من دون قيام حكومة جديدة، ومن اجل تمرير هدف عقد القمة العربية لا غيره، مع الاستمرار بالإمساك بالأزمة اللبنانية الى حين إحداث تغيير في موازين القوى لمصلحة المعارضة. وإذا كانت الحكومة الحالية تتولى صلاحيات الرئاسة نظراً الى عدم التمكن من انتخاب رئيس جديد، فإن انتخاب الرئيس قبيل القمة من دون تشكيل الحكومة البديلة، سيحول دون مشاركة الحكومة الحالية في القمة، وسيحول، باعتبارها مستقيلة، دون انتظام علاقتها مع العالم الخارجي.
إن القيام بخطوة يتيمة هي انتخاب رئيس، مع إبقاء الخلاف على تشكيل الحكومة قائماً بين فريقي الأكثرية والمعارضة، ينقل الأزمة من مشكلة حول الموقع المسيحي الماروني الأول في الدولة، الى مشكلة لهذا الموقع، ومشكلة أخرى ايضاً للموقع السني في السلطة التنفيذية وتصبح جوانب الأزمة أكثر تعقيداً وخطورة، ما يوجب السعي الى حل يشمل كل النقاط وعدم التجزئة إذا أوجب عقد القمة تسهيلاً سورياً لانتخاب الرئيس.