الاشباه والنظائر ومتعة التفاهم!!
ميرفت سيوفي
اغرم العرب قديما في تأليف الموسوعات فيما اصطلح على تسميته كتب «الاشباه والنظائر»، ربما علينا ان نقترح تأليفا جديدا في مصطلح «التفاهم».. خصوصا ان الكلام ليس اكثر منه في بلادنا هذه الايام، ولا جمرك عليه!!
ممتع هو اللقاء الذي تابعه اللبنانيون على محطة «او تي في»، بين امين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، وبين المتفاهم الروحي اللبناني معه ووكيل تمثيل المعارضة في لعبة توزيع الادوار الحوارية الجنرال المتقاعد ميشال عون.. ممتع لأننا لاول مرة نشاهد الجنرال العجوز «الوطني الوطني الوطني» بحسب ما وصف لنا «هديانة ملائكته الى هذا الحد»، الامر الذي دفعنا الى التساؤل: هل هربت شياطينه في حضرة السيد، اذ جلس الجنرال في حضرته «كتكوتاً هادئاً»، او انه افرط في «دوز» المهدئات فانبسط بهذه الاطلالة..
وبصرف النظر عن «متعة» متابعة هذا التبادل «السياسو – عاطفي» على الهواء مباشرة، والنادر الحدوث في لبنان، بدا واضحا، ان ثمة حاجة تبادلية بين طرفي التفاهم، السيد محتاج الى ما تبقى من جمهور «عون» المسيحي، والذي اتبع حليفه سليمان فرنجية لقاء الامس بهجوم مفاجئ جديد شنه على البطريرك، استكمالا لما كان بدأه، وبعد تهدئة الدق على وتر الجيش، فيما بدا الجنرال بحاجة الى تعويم ما يمكن تعويمه عبر هذا اللقاء الذي قيل فيه انه «بين جبلين»، انما يطبقان على مصير لبنان وكلّ لمصالح مخلتفة تقاطعت عند ورقة التفاهم موقتاً!!
اللافت انه وبعد عامين، لم يجرؤ الطرفين على اعلان ما الذي انجز وتحقق من ورقة «التفاهم» غير الانقاذ المزعوم من حرب اهلية؟! عمليا لم يستطع طرفا التفاهم تقديم جردة حساب، بل القيا تبعات تعطيل ما «بح» الجنرال صوته في ادعاء انه يطالب به، على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة!! لكأن حكومة الرئىس السنيورة قدمت بيانها الحكومي ومحوره ورقة التفاهم، ولم نفهم ابدا ما هو الالتزام الذي تفرضه ورقة تفاهم بين حزب وتيار على حكومة؟ ويقولون بعدها: انهم ليسوا دولة داخل دولة؟!
وبعد عامين، وهكذا من دون «مشاورة ولا سؤال» قرر السيد حسن نصر الله اعتبار المعتقلين في السجون السورية «مفقودين»، وكلفنا خاطركم لا يعني هذا سوى ان الداخل مفقود، والخارج، إن خرج مولود، وبلا ان يكلف خاطره في العودة الى ذوي «الضحايا الاحياء»، اخترع للبنانيين شبكة مناورة تحمي المعنيين بالاجابة عن مصير هؤلاء، فرمى الطابة عند الحكومة التي لم تشكل «لجنة»، مع انه على حد علمنا تشكلت لجان، وزار ذوو المعتقلين المسؤولين اللبنانيين والسوريين ولا حياة لمن تنادي.
بالامس طأطأ الجنرال العجوز رأسه موافقا مفقودين مقابل مفقودين، وواحدة بواحدة!! مخرج ذكي جدا لانقاذ ماء وجه «الجنرال العجوز»، ان كان ما زال لوجهه ماء يراق!!
اما «اهضم» ما تفتقت قريحة التفاهم عنه: اللبنانيون المتعاملون مع العدو والفارون الى اسرائيل، ومناورة الدولة التي تطالب بتوقيفهم والتحقيق معهم وعرضهم على القضاء!! فجأة اصبحت حكومة السنيورة ورئيسها «ليس وجهاً لعملة واحدة مع اولمرت»، باع السيد الجنرال العجوز من كيسه مواقف لا تقدم ولا تؤخر!! فلتحدد الحكومة مواعيد ليسلم هؤلاء انفسهم للجهات اللبنانية المختصة للتحقيق معهم وسوقهم الى القضاء، ولنر من يضحك على من؟!
اما اطرف ما سمعناه، فحكاية لجنة تحقيق «سعودية – لبنانية» في اغتيال الرئيس الحريري!! مع مين؟ ممن كانت ستتشكل من ضباط سعوديين مع الضباط الاربعة – ما غيرهم – والمستعجلين على اخراجهم تحت عنوان مساجين سياسيين، قبل ان يضع دانيال بلمار يده عليهم ويتم نقلهم الى هولندا، حيث يصبح التخلص منهم صعبا جدا، والذين احتاج السيد لدعم الجنرال في اعلان براءتهم قبل القضاء!!
«الحشرة» ان الضباط الاربعة فيهم شيعياً واحدا لذا لا يستطيعون تحريك القضية تحت عنوان مذهبي والا لكانوا احرقوا الدواليب منذ زمن، فاثنان منهما «سنة» وواحد «مسيحي»، «العاقة» الحقيقية هنا، لذا يعجز الحزب عن «الطحشة» في امرهم!! وتأملوا فقط في الهجمة الشرسة من حين لاخر على المملكة العربية السعودية من حلفاء السيد والجنرال لتدركوا اي فخ كان يعد للسعودية تحديدا إن صح ما قيل في موضوع لجنة التحقيق؟!
وطبعا لا داعي هنا ابدا لاستعادة شريط الذاكرة القريبة ومن طالب بالتحقيق ومن رفض، ومن هب ليذهب عند المفتي ليقنعه بلجنة تحقيق عربية؟ ومن عارض لجنة تحقيق دولية؟ ومن عرقل اتخاذ القرارات الحكومية بشأن المحكمة؟ ثم يقولون لنا: اسرائىل ترتكب الاغتيالات، يعني «بلا زغرة» يعتبروننا حمقى اكثر مما تصورنا!!
ويعني هذا ببساطة ان وزراء المقاومة المستقيلون يحمون اسرائيل والمتهمون بالعمالة لها يصرون على محاكمتها!! انما ماذا يقول المرء وهو يسمع ويدرك ان هناك سامعين يكذبون اعينهم واذانهم ويقولون بألسنتهم: آمين، على ما يعلمون من قلوبهم ان لا استجابة فيه لانه يقال بغير حقه!! ثم يعيدون علينا اسطوانة التحدي القاتل عندما قيل مرارا: لا يوجد لديكم دليل واحد على قتلنا الحريري!! وضمنا هذا تهديد بعدم السماح بالوصول الى اي دليل!!
«متعة التفاهم» انها تجعلك تجلس مسترخيا، تسمع وتضحك، من كم الغرام الذي محا اكداسا من التصريحات، بينها برنامج «انتخب الجنرال على اساسه»!! انقاذ شعبية عون بات ضرورة ملحة، الا ان هذا اللقاء الذي قيل انه تاريخي، يزيد الطين بلة، فكيف اصبح المعتقلون، مفقودين؟ وهل استشار السيد المتفاهم معه قبل ان يحولهم الى مفقودين ويربط مصيرهم بمصير مفقودين سوريين على اراض كان الجيش السوري يعرف اين تدب النملة عليها؟!
يبدو ان المتفاهمين كانا بحاجة الى براءة ذمة، السيد يريد براءة ذمة لسورية، وللضباط الاربعة، والجنرال بحاجة الى تبرير عدم تحقيق اي بند من بنود التفاهم حتى المتعلقة بوساطة حزب الله، وقد تم رميها على ظهر السنيورة، الواضح الوحيد ان عون يأخذ المسيحيين الى ما هو اكثر من مغامرة مجنونة تنتهي بنكبتهم ونفيه، يريد ان يعيدهم «اهل الذمة».