حقائق الصراع السوري – العربي حول لبنان
لماذا حاولت دمشق اسقاط ترشيح سليمان ونسف المبادرة ؟
لماذا حاولت دمشق اسقاط ترشيح سليمان ونسف المبادرة ؟
عبد الكريم أبو النصر
“المجموعة العربية – الدولية الداعمة لبنان المستقل المتحرر من الهيمنة السورية هي في حال تأهب سياسي وديبلوماسي وامني ومتابعة دقيقة لكل ما يقوم به نظام الرئيس بشار الاسد في الساحة اللبنانية من اجل منع تفجير الاوضاع الامنية على نطاق واسع بأيدي حلفاء دمشق لأي سبب من الاسباب.
وهذه المجموعة، التي تضم خصوصا مصر والسعودية واميركا وفرنسا وعددا من الدول الاخرى البارزة والمؤثرة، لم تتراجع اطلاقا عن التزامها القوي حماية استقلال لبنان وسيادته والعمل على معالجة ازمته المعقدة ومنع تدهور الاوضاع الامنية فيه، ولم تقلص دعمها لهذا البلد، خلافا لما يحاول القريبون من دمشق ايحاءه، بل انها وجهت اخيرا رسائل واضحة ومحددة الى القيادة السورية شددت فيها على انه ليس مسموحا لنظام الاسد تجاوز خمسة خطوط حمر في الساحة اللبنانية، لانه سيتحمل العواقب والمسؤوليات الناتجة من تجاوز هذه الخطوط”.
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية عربية واوروبية وثيقة الاطلاع في باريس، واكدت ان هذه المجموعة حذرت نظام الاسد تحديدا من تجاوز الخطوط الحمر الخمسة الآتية:
أولاً، ليس مسموحا لنظام الاسد وحلفائه احباط المبادرة العربية ودفع الاوضاع في لبنان نحو المجهول. فانتخاب العماد ميشال سليمان كرئيس توافقي للبنان، وفقا لما تنص عليه المبادرة العربية، ليس مطلبا لبنانيا عاما فحسب بل انه ايضا مطلب عربي ودولي جدي لن يتم التراجع عنه نتيجة الضغوط او عمليات المماطلة السورية. واذا لم يتم انتخاب العماد سليمان رئيسا توافقيا في وقت قريب واظهر نظام الاسد وحلفائه تصميما واضحا على تعطيل اجراء انتخابات الرئاسة لاشهر اخرى، مع ما ستكون لهذا القرار انعكاسات مدمرة، فان ذلك سيكون مؤشرا واضحا الى ان المسؤولين السوريين يريدون فعلا دفع اللبنانيين نحو الاقتتال الداخلي الواسع. وستتعامل الدول المعنية مع سوريا على هذا الاساس وتتخذ اجراءات جديدة قاسية وحازمة ضد نظام الاسد، سواء في اطار مجلس الامن او على صعيد العلاقات الثنائية او على اصعدة اخرى.
ثانياً، ليس مسموحا اسقاط حكومة فؤاد السنيورة الدستورية والشرعية والمدعومة من الغالبية النيابية والشعبية بالقوة وعلى ايدي “حزب الله” وحلفائه وبقرار سوري، لان ذلك سيعني في نظر الكثيرين انتصار طائفة هي الطائفة الشيعية على الطائفة السنية وطوائف اخرى عبر استخدام العنف والسلاح وليس عبر الانتخابات، مما يؤدي الى نسف صيغة تقاسم السلطة المستندة الى اتفاق الطائف ويهدد الوحدة الوطنية والسلم الاهلي ويدفع البلد نحو حرب طوائف طويلة لن يخرج حلفاء دمشق منها منتصرين.
فحكومة السنيورة تسقط إما بقرار من الغالبية النيابية في حال عاود مجلس النواب، المغلق منذ اكثر من سنة بطلب سوري، اعماله واجتماعاته، واما بعد انتخاب رئيس جديد للجمهورية، واما وفقا للاجراءات الاخرى المنصوص عليها في الدستور. واي حرب شيعية – سنية في لبنان ستكون لها انعكاسات خطرة على المنطقة وعلى العلاقات السورية – العربية والعربية الايرانية.
ثالثاً، المجموعة العربية – الدولية لن تسمح لنظام الاسد، مهما فعل وماطل وتهرب من التزاماته المختلفة، باسقاط لبنان كدولة ومؤسسات بالقوة المسلحة وبوسائل العنف المختلفة، بهدف اخضاعه مجددا للهيمنة السورية ولمصالح محور دمشق – طهران، لان ذلك يشكل تهديدا للامن القومي العربي ولموازين القوى في المنطقة ولمصالح دول عربية عدة، كما انه يشكل تهديدا لامن الدول الغربية ومصالحها.
رابعاً، المجموعة العربية – الدولية تحمّل نظام الاسد فعليا المسؤولية الاولى عن تعطيل الحياة السياسية وعرقلة ايجاد حل عادل ومتوازن للازمة اللبنانية. وهذه المجموعة لن تسمح لنظام الاسد بأن يواصل جهوده المعطلة هذه الى ما لا نهاية، وخصوصا ان هدفه هو انهاك الاستقلاليين اللبنانيين عبر استخدام وسائل غير شرعية، بل ان هذه المجموعة ستتخذ “في الوقت الملائم” اجراءات تصعيدية عدة ضد القيادة السورية لمحاسبتها على سياستها التدميرية هذه.
خامساً، المجموعة العربية – الدولية لن تسمح لنظام الاسد بتحقيق هدفه الاساسي غير المعلن وهو تعطيل عمل المحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية اخرى، بل ان دول هذه المجموعة مصممة على الذهاب الى النهاية من اجل محاسبة جميع المتورطين في هذه الجرائم ومعاقبتهم. وسيكون صدور القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الحريري وما يمكن ان يتضمنه من اتهامات لعدد من المسؤولين السوريين واللبنانيين ومن يرتبط بهم، الدليل الاقوى والاوضح على مدى الجدية والحزم في التعامل الدولي مع الذين يستخدمون سياسة الاغتيالات والاعمال الارهابية لمحاولة تحقيق اهدافهم.
خلافات جدية سورية – عربية
وكشفت لنا مصادر ديبلوماسية عربية وثيقة الاطلاع ان هناك خلافات جدية وعميقة بين الدول العربية المعنية بمصير لبنان وبين النظام السوري تتركز خصوصا على المسائل الاساسية الآتية:
أولاً، تريد القيادة السورية ان تبدي الدول العربية اهتماما بمصالحها ومطالبها في لبنان اكثر مما تبدي اهتماما بمصالح اللبنانيين وحقوقهم ومطالبهم المشروعة من منطلق “ان سوريا دولة مهمة وان لبنان بلد ثانوي صغير يمكن الاستغناء عنه” على ما قال مسؤول سوري لشخصية عربية بارزة، لكن الدول العربية المعنية بالامر تعارض كليا هذا المطلب السوري، المرفوض دوليا ايضا على نطاق واسع، كما ان الدول العربية ترفض تبني ودعم اي مطلب سوري ترفضه القوى الاستقلالية اللبنانية التي تشكل الغالبية.
ثانياً، يحاول السوريون باستمرار تفسير اي مبادرة عربية واجنبية تتعلق بلبنان وفقا لمفهومهم الخاص ولحساباتهم، ولذلك برز خلاف عربي – سوري عميق حول مفهوم المشاركة الحقيقية والمتوازنة في السلطة بين الافرقاء اللبنانيين. فالشراكة التي تريدها القيادة السورية تبدأ بموافقة المجموعة العربية على المساواة بين الغالبية والاقلية بحيث يتم الغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2005 بعد الانسحاب السوري، وهو ما يضعف، في حال حصوله، الغالبية النيابية ويعزز مواقع حلفاء دمشق ويجعلهم اكثر قدرة على فرض هيمنتهم على السلطة. ووفقا لديبلوماسي عربي مطلع “فان هذا المطلب السوري يظهر ان نظام الاسد يريد تغيير مسار الاوضاع في لبنان لمصلحته بسرعة خوفا من المحكمة الدولية، كما يظهر ان هذا النظام ليس واثقا من احتمال فوز المعارضة المتحالفة معه في الانتخابات المقبلة”. وهذا المطلب السوري مرفوض كليا من الدول العربية المعنية بالامر والتي تتمسك بوجود غالبية واقلية وباحترام ارادة اللبنانيين.
ثالثاً،ً الحل التوافقي للازمة اللبنانية يتطلب، وفقا للنظام السوري، إما سحب ترشيح العماد سليمان للرئاسة ودعم مرشح آخر تختاره دمشق، واما موافقة العرب على شروط دمشق لانتخاب سليمان رئيسا. وابرز هذه الشروط: ضرورة قيام سليمان بزيارة سوريا قبل الانتخابات والتوصل الى تفاهمات خطية محددة بينه وبين نظام الاسد، ومنح المعارضة الثلث المعطل في الحكومة المقبلة او توزيع الحقائب الوزارية بالتساوي بين الغالبية والمعارضة وميشال سليمان على اساس المثالثة.
كما تريد دمشق ان تختار هي رئيس الحكومة المقبل وليس ترك الغالبية تختاره وفقا لما ينص عليه الدستور. وهذا ما ترفضه الدول العربية الاخرى.
رابعاً، المجموعة العربية مصممة على ابقاء لبنان خاضعا للرعاية والحماية العربيتين والدوليتين لانها ليست راغبة في تكرار تجربة اتفاق الطائف الموقع عام 1989 اذ تخلت آنذاك عن الرعاية المباشرة لتطبيق هذا الاتفاق وتركت النظام السوري يتصرف كما يريد مما ادى الى ضم لبنان فعليا الى سوريا. والقيادة السورية منزعجة جدا من هذا الاهتمام العربي والدولي بلبنان، وتحاول بمختلف الوسائل دفع العالم الى التخلي عن اللبنانيين وتركهم يواجهون وحدهم مخططات دمشق. لكن كل هذه المحاولات السورية باءت بالفشل.
خامساً، الدول العربية المعنية بالامر تعطي الاولوية لانتخاب ميشال سليمان رئيسا وباسرع وقت ممكن ولو تم تأجيل قضية حكومة الوحدة الوطنية الى ما بعد تسلمه مهماته على اساس انه يستطيع القيام بدور توفيقي لتسهيل تشكيل هذه الحكومة.
لكن الحكومة السورية ترفض هذا الموقف العربي وتريد ان تقوم هي بالدور الحاسم في انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة الجديدة ولذلك تضع شروطا تعجيزية وغير دستورية عبر حلفائها لتأمين اجراء انتخابات الرئاسة. وبقدر ما تحرص المجموعة العربية على ملء مركز الرئاسة بسرعة وعلى وضع حد لمعاناة اللبنانيين، فان القيادة السورية مستعدة لاطالة امد الفراغ في موقع الرئاسة لاشهر اخرى في محاولة لتحقيق اهدافها، كما انها تستغل معاناة اللبنانيين لاضعاف القوى الاستقلالية. والواضح ان القيادة السورية هي التي تعمل على اضعاف نفوذ المسيحيين في لبنان، بالتعاون مع المعارضة، ومن خلال فرض شروط عدة على انتخاب رئيس الجمهورية خلافا لما ينص عليه الدستور.
دمشق وميشال سليمان
وفي هذا المجال كشفت مصادر ديبلوماسية غربية وثيقة الاطلاع في باريس معلومات جديدة توضح حقيقة الموقف السوري من مسألة انتخاب ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وشددت على الامور الآتية:
أولاً، ان قريبين من القيادة السورية هم الذين يسربون عمدا الى جهات مختلفة معلومات عن “عدم رغبة” دمشق في انتخاب سليمان رئيسا، اذ ان انتخابه يضعف النفوذ السوري في لبنان اكثر لان قائد الجيش هو خيار عربي ودولي ولبناني في الدرجة الاولى ولن يكون منفذا للتعليمات السورية.
ثانياً، حاولت القيادة السورية فعلا نسف مبادرة الحل العربي وتجاوزها من خلال ارسالها اقتراحا الى الرئيس نيكولا ساركوزي عبر قطر يتضمن استعداد دمشق لتأمين انتخاب رئيس للبنان بسرعة وتذليل العقبات التي تضعها المعارضة اذا ما تخلى الفرنسيون عن دعم سليمان وتبنوا ودعموا انتخاب مرشح تطمئن اليه القيادة السورية كليا. وقدم السوريون الى الفرنسيين، عبر قطر، قائمة باربعة مرشحين للرئاسة مقبولين منهم، احدهم قريب من الرئيس نبيه بري والثاني مقبول مبدئيا من العماد ميشال عون، والثالث ضعيف الشخصية وله صفة حيادية، والرابع هو فارس بويز وزير الخارجية الاسبق الذي تفضله دمشق على سواه. لكن ساركوزي رفض فورا هذا الاقتراح السوري ولم يقبل الدخول في نقاش في شأنه واكد دعمه الكامل للمبادرة العربية ولانتخاب سليمان رئيسا، ايا يكن الموقف السوري منه.
ثالثاً،ً نتيجة فشل هذه المحاولة السورية يبدو نظام الاسد مستعدا اليوم لدعم انتخاب سليمان رئيسا لكنه يتمسك بثلاثة شروط اساسية هي: النظام السوري يريد، اولا، ان يقدم سليمان له ولقيادة حزب الله ضمانات تتعلق بسلاح الحزب وبالمحكمة الدولية وبطريقة تنفيذ قرارات مجلس الامن بما يؤمن الاهداف السورية. ويريد، ثانيا، منح المعارضة الثلث المعطل في الحكومة الجديدة او المساواة بينها وبين الغالبية. ويريد، ثالثا، اختيار شخصية حيادية تطمئن اليها دمشق لرئاسة الحكومة الجديدة.
وقد لخص لنا ديبلوماسي اوروبي الوضع بقوله: “ان حل الازمة في لبنان هو في الخارج لكن المشكلة هي في الداخل، وهذا يعني انه مسموح للبنانيين ان يعانوا ويتألموا ويلحقوا الاذى ببعضهم البعض، لكن ليس مسموحا لهم تسوية مشاكلهم بأنفسهم ومن دون تدخلات خارجية. ولذلك يعجز اللبنانيون عن انتخاب رئيس، هو ميشال سليمان، يحظى بدعم جميع الافرقاء اللبنانيين”.
