قبض ريح
علي حماده- النهار
أعاد الأمين العام للجامعة العربية اختبار تجليات الأزمة اللبنانية عندما دعا البارحة الى لقاء رباعي جديد بين الغالبية والاقلية. والأهم انه اختبر مجدداً معاني التصعيد عندما تكون ترجمته طرح شروط جديدة تم قذفها دفعة واحدة على الطاولة، الأمر الذي يعكس بوضوح ان موعد تراجع الأزمة لم يحن بعد، بل ان المعركة بين عصر الاستقلال وعصر الوصاية لا تزال مستعرة حتى اشعار آخر.
ليس المهم الخوض في تفاصيل ما طرحه ممثل المعارضة بالأمس. فالذهاب حتى الى أبعد مما كان مطروحاً في الزيارة السابقة لموسى، واعتبر حينها تعجيزاً موصوفاً، يعني ان المرحلة المقبلة ستتسم بارتفاع في حرارة المواجهة بين العصرين، مترافقاً مع مواجهة عربية اشار اليها بالأمس الأمين العام بشيء من الخفر عندما لمح الى تداعيات الازمة على القمة العربية المقبلة. فشرط حصول القمة في دمشق هو تغيّر سلوكها على الساحة اللبنانية. اما استمرار الأسد في نهجه التخريبي فمعناه ان لا قمة عربية، ولا عودة الى علاقات سوية مع النظام العربي الرسمي.
بالطبع، لا يتوقع النبيه ان تتردد دمشق لحظة في التمسك بالخيار القائم اليوم، فلبنان أهمّ من القمة، ومن العرب والعالم، وحتى من الاسكندرون والجولان معاً! من هنا لا بدّ للعرب من التفكير ملياً في ما يؤدي اليه تمسك النظام السوري بنهجه الراهن على جميع الساحات العربية المجاورة، بدءاً من العراق وصولاً الى غزة، مروراً بلبنان والاردن، حيث يتجذر يوماً بعد يوم الاختراق الايراني لقلب العالم العربي، ويتأكد في الوقت عينه مدى الارتباط العضوي بين طهران ودمشق.
والحال ان قرب انشاء المحكمة الدولية وبدء اعمالها، يضفي صفة العجلة على محاولة الانقلاب الجارية اليوم على أرض لبنان، وخصوصاً مع تأكد السوريين من ان المسألة ليست نظرية، بل انها اقرب الى التحقق من اي وقت مضى، الأمر الذي ينشر حكماً قلقاً بالغاً في الحلقة الضيقة المحيطة ببشار.
وحتى لا نكرر الاتهام، نكتفي بالتذكير بأن وجهة التحقيق في اغتيال رفيق الحريري ورفاقه وسائر الشهداء من ثورة الاستقلال، لم تنحرف مرة واحدة عن مسارها السوري، وذلك بدءاً من فيتزجيرالد، ثم ميليس وانتهاء ببرامرتس. هذا من شأنه ان يزيد تصميم بشار على مواصلة معركته الانقلابية في بيروت التي تتقاطع مع اهداف قوى محلية تابعة، او حليفة لا فرق.
وعليه، كان يجب توقع مرحلة مواجهة بدأت معالمها بالارتسام منذ ان قرر “حزب ولاية الفقيه” العودة الى الشارع. وقد يكون موقف النائب سعد الحريري في مؤتمره الصحافي الأخير، والقائل بأنه “لو فرضت المواجهة علينا فنحن لها” نابعاً من القراءة التي ترى بوضوح ان الاستقلال اللبناني صار في خطر كبير، وان الشارع لم يعد يستحيل استخدامه في المدى المنظور. كل هذا في ظل تنامي شعور في الشارع الاستقلالي برفض النفس الانهزامي لأي اعتبار كان.
بالأمس قرر عمرو موسى ان يمدد اقامته في الربوع اللبنانية، وهو الاعرف بأن زيارته الثالثة محكومة بقرار يعمل لافشالها. وغالب الظن انه سيغادرنا بمثل ما اتانا به من قبض ريح!