#adsense

لبنان: ما هو أخطر من الانفجار

حجم الخط

لبنان: ما هو أخطر من الانفجار
عبدالله اسكندر

 

لا شيء يدعو إلى توقع أن تكون المرة الـ14 في 26 الشهر الجاري ثابتة في لبنان. لا بل أظهرت الجولة الأخيرة من المفاوضات التي رعاها الامين العام للجامعة، لتنفيذ القرار العربي بانتخاب رئيس في لبنان، ان المسافة بين الاطراف اللبنانيين ما زالت على حالها، إن لم تتسع أكثر. خصوصا ان قضايا الاختلاف والتوافق أشبعت بحثا وتفاوضا، في الداخل وفي عواصم العالم. حتى لم يعد يبقى من مستزيد، ولم يعد من المتوقع ان تكون عودة عمرو موسى موفقة أكثر من سابقاتها. انه المأزق التام في الوضع اللبناني الذي استهلك كل انواع المبادرات الداخلية والخارجية. هذا المأزق المعطوف على حملات تعبئة وتحريض لا سابق لها، وعمليات اغتيال وتفجيرات تنعكس، مباشرة، توترات على الارض بين اتباع الفريقين الذين يظهرون أكثر فأكثر ميلا لإظهار اسلحتهم.

 

وليس سوى الأعمى من لا يرى ان كل مكونات القتال الداخلي باتت متوافرة، وان كل الكلام عن حرمة هذا القتال ليس أكثر من نية الى دفع المشكلة الى الطرف الآخر. وإلا لكان الإجماع على انتخاب العماد سليمان، وهو توافق لم يتحقق بسهولة، وجد طريقه الى التنفيذ، قبل القرار العربي وبعده. وانتقل البلد من شفير الانفجار الحالي في الشارع الى الصراع داخل المؤسسات التي ما يزال الخلاف يعطلها.

 

واذا كان هذا الانفجار لم يحصل بعد، فمن المرجح ان تكون حسابات خارجية هي التي تمنعه. ففريق المعارضة الذي هو في حال هجوم سياسي، يتمحور حول «حزب الله» صاحب القوة العسكرية اللبنانية القوية الوحيدة، خارج الدولة. ومن دون مشاركته، لا تقع الحرب الاهلية. ويُعتقد بأن الحزب يخضع لنوعين من الضغوط، احدهما يرتبط بالمحكمة الدولية ويدفع في اتجاه التصعيد الداخلي وتوجيه ضربة قاضية للأكثرية. والآخر يرتبط بالملف النووي الايراني يعتبر انه ينبغي مراعاة البعد العربي للأكثرية في ظل المواجهة مع الاميركيين… وفي الحالين ثمة فسحة زمنية من الانتظار، يظل الوضع معلقا في حال من التأزم الشديد وضغط التهديد المستمر بالانفجار.

 

لكن الأزمة في لبنان، وحتى في حال الخروج منها من دون الانفجار، أدخلت معايير وسلوكيات سياسية جديدة ستترك أثرا سلبيا، إن لم يكن قاتلا، في نظامه الديموقراطي البرلماني. في مقدم هذه الأخطار ان المؤسسات باتت خاضعة للاعتبار الحزبي. فهي تتعطل عندما يغضب فريق سياسي او مذهبي. وفقدت دورها كحاضنة لكل التعبيرات السياسية في البلاد. وتجربة السنوات الثلاث الماضية اظهرت ان تعطيل عمل رئاسة الدولة والبرلمان والحكومة أصبح أمراً عادياً وروتينياً، الى حد اعتاد عليه اللبنانيون الذين يخضعون يوميا لعملية إقناع بأنه ليس من الضروري ان تعمل هذه المؤسسات.

 

وبالترافق مع «تتفيه» المؤسسات وعملها، ثمة تعبئة متواصلة لتشويه معنى التمثيل السياسي، خصوصاً النيابي منه. فالنائب، من المعارضة أو الاكثرية، بات ممثلا لحزب أو زعيم وليس شخصية عامة تستحق الاعتبار لذاتها. وهو لم يعد مطالب بالتزام الانتداب الذي اوكله اليه الانتخاب، فتخلى عن دوره وواجبه تحت قبة البرلمان، حضورا للتشريع ومراقبة العمل الحكومي وخصوصا السهر على عدم حصول الفراغ المؤسساتي. ليتحول مداحا او رداحا على الفضائيات، يهمه كسب رضى الحزب او الزعيم الذي وحده بات مصدر السلطات على النائب وليس الاقتراع الشعبي. ولعل أخطر هذه الممارسات هو تحول عدم قيام النائب بواجبه الإلزامي، خصوصاً المشاركة في جلسة الانتخاب الرئاسي لسد الفراغ والتي يفرضها الدستور بنصه على الاجتماع الفوري عندما تخلو سدة الرئاسة، حقا مكتسبا. هذا «الحق» الذي يعطل كل مؤسسات الدولة ويربط عملها بمزاجية زعيم وخدمة لغرض سياسي.

 

اما الحال الحكومية الراهنة، فبلغت العبث لدى وزراء يتقاضون رواتبهم ويداومون في مكاتبهم ويسيرون المعاملات التي تهمهم ويستقبلون الضيوف بصفتهم وزراء، لكنهم مستقيلون من أجل ان تكون «الحكومة مبتورة»، وغير قادرة على الحكم.

هذه الاعراف الجديدة في لبنان هي الخطر الأكيد على نظامه الديموقراطي، مع التغيير الذي يحصل شيئا فشيئا على مصدر السلطات والقرار، فينتقل من الهيئات المنتخبة الى مواقع قوى خارج المؤسسات. وهذا ما تشهده النظم الديكتاتورية حيث الزعيم او ضابط المخابرات هو مصدر السلطة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل