#dfp #adsense

الهبوط العوني بعد اكتشاف المسيحيين طعن الجنرال للاستقلال يقابله صعود بكركي ومسيحييها

حجم الخط

الهبوط العوني بعد اكتشاف المسيحيين طعن الجنرال للاستقلال يقابله صعود بكركي ومسيحييها
14 آذار المسيحي في 14 شباط 2008

نصير الأسعد
 

14 آذار 2005 كان “لحظة” تحوّل تاريخي في لبنان قادت إلى إخراج الجيش السوري من لبنان وإلى إنهاء الوصاية السورية عليه. كان “لحظة” تحقّق المصالحة الوطنية الكبرى التي منعت الوصاية تحققها طيلة الأعوام السابقة.. بل كان الموعد “الفعليّ” لانتهاء الحرب اللبنانية التي كانت انتهت “رسمياً” في العام 1990 بعد اتفاق الطائف.

 

14 آذار 2005: التحوّلات في الطوائف


جاء 14 آذار 2005 تتويجاً لتحوّلات وفاتحة لتحوّلات أخرى في آن على صعيد الطوائف في لبنان. والمقصود بالتحوّلات التي جرى تتويجها يوم 14 آذار 2005، هو ما يمكن تلخيصه بالآتي: مع اتفاق الطائف كان المسيحيون “يعودون” إلى الكيان بعد “رحلة” على مشاريع “ما دون الكيان” من جهة وكانوا يثبتون المقولة التي عاد المجمع الماروني في العام 2006 وبلورها أي انّ “الموارنة للبنان وليس لبنان للموارنة” من جهة ثانية. ومع اتفاق الطائف كان المسلمون السنّة يعلنون ولاءهم للكيان وطناً نهائياً بعد “رحلة” على مشاريع “ما فوق الكيان” بالعلاقة مع العروبة و”موجاتها” المتعاقبة على لبنان. ومع اتفاق الطائف كان الدروز يحسمون “تنقّلهم” بين “الإمارة” في مرحلة والعروبة “فوق الكيانية” في مرحلة أخرى باتجاه “العودة” إلى الكيان.. إلى “لبنان الكبير”. مع اتفاق الطائف، وحدها الطائفة الشيعية تم إخراجها بواسطة تمثيلها السياسي أو بعضه من الكيان.

 

“اللحظة” التأسيسيّة


تفاوتت التعبيرات لدى الطوائف عن هذه التحوّلات بين 1990 و2005، لكنّها كانت موجودة بالفعل. وعلى هذا الأساس، وفي “لحظة” انتزاع الاستقلال من سوريا وعنها في العام 2005، كانت التمهيدات قائمة عند معظم الطوائف. وإذا كان صحيحاً بالفعل انّ “عمر” المعركة الاستقلالية يحدّد بين 20 أيلول 2000 مع النداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة وبين 14 شباط 2005 مع استشهاد الرئيس رفيق الحريري الذي شكّل “الصاعق الاستقلالي”، فإنّ الصحيح أنّ التحوّلات التمهيدية كانت تراكمية منذ نهاية الحرب. وعلى أي حال، فإن 14 آذار 2005 أتى عاكساً بدقّة للتحوّلات المشار اليها: المسيحيون عموماً والموارنة خصوصاً، والمسلمون السنّة والدروز داخل حركة الاستقلال في مقابل التمثيل السياسي الشيعي الذي وضع المسلمين الشيعة خارج حركة الاستقلال.


بهذا المعنى، وقبل الحديث عن التحوّلات التي افتتحت يوم 14 آذار 2005، يُمكن القول إنّ ذلك اليوم بكلّ دلالاته وأبعاده، شكّل “لحظة تأسيسية” في الكيان هي نفسُها لحظة إعادة تأسيس الكيان المستقلّ.

 

عون: تبرئة 14 آذار 2005 للإنقلاب عليه


على أنّ هذا التحليل لا يستقيم بدون التوقّف عند “الوضع” المسيحي بين 14 آذار 2005 واليوم 14 شباط 2008.
فكما أنّ 14 آذار 2005 توّج تحوّلات وإفتتح أخرى بالنسبة إلى الجميع، فهو كان محطّة تحوّل للجنرال ميشال عون وتيّاره.
في 14 آذار 2005، كان الجنرال يعبر من الضفّة الاستقلالية إلى الضفّة الأخرى المعادية للاستقلال. كأنما بنزول تيّاره ومناصريه في ذلك اليوم كان يمهّد للانقلاب، كان يريدُ من النزول التبرئة ممّا هو آتٍ، كان يريدُ يافطة كبرى تحجب تحوّلاً معاكساً. وإذا كانت التحوّلات العونيّة لم تظهر إلا تباعاً، فلا مبالغة في القول إنّ 14 آذار 2005 كان في الإطار العوني بدء العدّ التنازلي الذي لم يظهر حجمه إلا مع الوقت.

 

خطيئة الجنرال حيال الطائف


وإذا كان اتفاق الطائف من جهة والانتفاضة التي فجّرتها دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري من جهة أخرى، يمثّلان مفصلَين بالنسبة إلى لبنان وطوائفه وقواه السياسية، فإنّ الجنرال إرتكب حيال المفصلين خطيئتين.

 

الخطيئة الأولى، ناجمة على الأرجح عن سوء التقدير السياسي، عندما رفض في العام 1989 الانضمام إلى اتفاق الطائف الذي كانت أمامه فرصة أن ينفّذ لبنانياً وبدون وصاية سورية لولا انّ عون قرأ خطأً التطوّرات الإقليمية والدولية التي كانت ستقود إلى تفويض النظام السوري بلبنان. وحقيقةُ الأمر هنا انّ فرصة التطبيق اللبناني للطائف بقيت متاحةً عاماً كاملاً بين تشرين الأول 1989 وتشرين الأول 1990,. وقد جرى اغتيال الرئيس رينيه معوض في سياق التمهيد لتطبيق الطائف سورياً.


ونتيجة تلك الخطيئة الأولى كانت تمديد الوصاية السورية أو الاحتلال السوري خمسة عشر عاماً.
كثيرون سامحوا الجنرال على خطيئته تلك. ربما لاعتقادهم أن سوء التقدير أو قلّة المعرفة يقعان في أسفل سلّم الخطايا. لكن المسامحة حصلت على الأرجح لأن الجنرال دفع ثمن “لعبة الأمم” التي لم يحسن قراءتها.

 

.. وخطيئته ضد الاستقلال


أما الخطيئة الثانية، فهي بالتأكيد عن سابق تصوّر وتصميم. فقد عاد الجنرال من باريس “ملتزماً” حيال النظام السوري بإجهاض الحركة الاستقلالية. فمن “سوريا باتت في سوريا ولم تعد في لبنان” الى “ورقة التفاهم” مع “حزب الله” في وجه مشروع الدولة، الى السكوت عن جرائم الاغتيال السورية، الى المشاركة في احتلال وسط بيروت، الى تغطية الانقلاب السوري منذ عام ونصف العام، الى تصدّر تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، الى “الحياد السلبي” حيال الجيش، الى الحملة على الكنيسة.. مواقف لا تحصى تؤكد “التزامه السوري”.

 

المسيحيون خُدعوا، أي أنهم في وقت من الأوقات لم يصدّقوا أو لم يشاءوا تصديق أن الجنرال يمثل ركيزة أساسية في “المشروع السوري” أو انّه “الاختراق السوري” في البيئة المسيحية. لكنهم ـ المسيحيون ـ يدركون اليوم أنه طعن المسيرة الاستقلالية. بل أكثر من ذلك، انّه يحاول أن يضعهم في مواجهة مع تاريخهم وتراثهم، وفي مواجهة مع الطوائف الأخرى. ويدركون أن محاولته دغدغة المشاعر المسيحية بالحديث عن “صلاحيات الرئيس الماروني”، لا تُصرف إلا نسفاً لاتفاق الطائف وترويجاً لـ”المثالثة”، في وقت يعطّل فيه انتخاب الرئيس الماروني.

 

الهبوط العوني


من هنا، فعندما يُقال أن 14 آذار 2005 شكّل فاتحة تحوّلات، فإن التحوّل الأبرز هو الهبوط العوني تتويجاً للعدّ التنازلي الذي بدأ في 14 آذار 2005. ولا مبالغة في القول إن “المشهد” الذي قدّمه الجنرال خلال مقابلته التلفزيونية المشتركة مع السيد حسن نصرالله الأسبوع الماضي، هو خير تعبير عن حال الهبوط العوني. فبعيداً من التعليقات الساخرة ـ والصحيحة ـ فإن المشهد عكس تراتبية العلاقة داخل “المعارضة”، وبين عون ونصرالله، بما هي علاقة مرؤوس برئيس وعضو بقائد. وهذه “الصورة” يعتبرها المسيحيون غير لائقة بمن يدّعي زعامتهم ولا يرضونها لمن أعطوه ثقتهم في يوم من الأيام.

 

البطريرك و14 آذار المسيحي


الهبوط العوني يقابله صعود البطريرك نصرالله صفير ومسيحيي 14 آذار.
بكلام أدقّ، يشهد الوضع المسيحي منذ شهور “عودة” البطريرك الى العام 2000، الى المبادرة. هو يحدّد الموقف المسيحي ـ الوطني. يؤكد أن الاستقلال يجب استكماله وترسيخه. ويعلن أن الحرب على الاستقلال تتمّ بـ”مرجعية” سورية، ويشارك فيها مسيحيون. ويقول إن الحملة على بكركي لا تنفصل عن الحملة على مؤسسات البلد، وتستهدف الوضع اللبناني ككل. ويشدّد البطريرك على أن الطائف موجود ويسأل “هل يُصار كل يوم الى اتفاق جديد؟”. ويردّد ما جاء في الوثيقة السياسية للمجمع الماروني “لا حلّ في لبنان لفئة من دون فئة وإذا لم يشمل الحل كل الفئات فلا يكون حلاً”. وفي مقابل نسف الجنرال للطائف، يدعو البطريرك الى تطبيقه “نحو” إقامة الدولة المدنية، وليس نحو “المثالثة” الطائفية.

البطريرك هو الموقف المسيحي. وميسحيّو الحركة الاستقلالية يحملون موقفه. بل 14 آذار ككلّ تتبنى موقفه.


تأسيساً على ما تقدّم، على الهبوط العوني والنهوض المسيحي الاستقلالي، لا مفرّ من القول أن ثمة “تصحيحاً” للوضع المسيحي ضمن الاستقلال الثاني يجري على قدم وساق، باتجاه نهوض الكتلة المسيحية الاستقلالية الميثاقية. ولا مفرّ من القول أن هذا “التصحيح” ليس فقط سيكرّس الهبوط العوني، لكنه سيظهر جلياً بعد غد في ساحة الشهداء.
ما يحصل هو “14 آذار المسيحي”. و”14 آذار المسيحي” سيكون المشهد الرئيسي في 14 شباط 2008

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل