لهب الشعلة.. ألسنة اللبنانيين
النقيب رشيد درباس
النقيب رشيد درباس
يوم الرابع عشر من شباط، وبعده إلى أمد غير منظور، ستهب في الساعة الواحدة إلا خمس دقائق ظهر كل يوم في ساحة السان جورج، شعلة بألوان العلم اللبناني، تلفح العيون والقلوب، كأنها سطور ذاكرة لا تطوّيها السطور والعصور، ليس تمجيداً فقط لمن قضوا في تلك اللحظة الرهيبة، ولا تخليداً لمن خلده الخير الجاري وإدمان حب لبنان، بل للتأكيد أيضاً أن لهب تلك الشعلة، يتحرك بألسنة اللبنانيين الذين يمدونها بأوتار الحناجر وألم المهج وبالفصاحة المتمادية التي قررت أن تقول كلّ يوم إنها لن تتكيّف أبداً مع ثقافة الاغتيال، ولن تقبل أبداً أن تكون القدرة على القتل هي العامل “الضامن” لترجيح موازين القوى.
لست أدري كيف سيجري حساب الكثافة البشرية في ساحة الشهداء وكيف سيتم الإحصاء، وكيف ستتجاذب الأعداد أقلام الهوى وشاشات الهواء، ولكنني أعلم تماماً أن من لن يخف إلى تلك الساحة ليعبر عن حزنه وغضبه سيفتح في رحابة نفسه زاوية أو قاعة أو حسينية، ليستقبل فيها المعزين من جحافل الأمل والتصميم التي بقيت منذ ذلك الهول مصرّة على رفع رايات النور بوجه الظلمة والظلاميين.
لا أظن الداعين يستعرضون قوتهم في ذلك اليوم، ولا ينبغي لهم ذلك، لأن الساحات عندما تخلو من أقدامها فور انتهاء الاحتفالات، ستعود إلى توجسها من الخيم التي استطاعت هيبة فراغها أن تفرّغ المحلات والمؤسسات من ناسها، ليحلَ طائر الشؤم منذراً الوسط التجاري بتدمير بناياته واحدة واحدة، ومهدداً السرايا بالاجتياح الكبير، فتتم الفرحة باكتمال الغياب بحيث يتخلى اللبنانيون عن أحلامهم النهضوية، ويرحل منهم من يرحل، وينضوي من يعجز عن الرحيل تحت لواء لفظية مستهلكة ونشيد سقطت كلماته الراقية في مستنقع الممارسة الكاذبة.
نعم إنه ليس يوماً للمفاخرة بالقدرة على التجييش، بل إنه اليوم الذي قررت فيه القوى الداعية بظاهرها ومضمرها أن تثابر على نشاطها بالدفاع عن مصالح البشر ودورة حياتهم اليومية، واستلهام مصالح الشرفاء الذين يحصلون أقواتهم من عرق جباههم، فيطالبون بدورة سياسية طبيعية في دولة طبيعية لا تداخلها هجنة ولا تلكن لسانها عجمة، صريحة العروبة، فسيحة الصدر، منارة أغمض رفيق الحريري عينيه على احتمال ضوئها، وساحة فاخرت العرب بتحررها غير المشروط، وواحة لهديل اليمام وتسجيع الحمام، وموئلاً يسكن القوم إليه، فتطيب النفوس، ويحل الحوار مكان النعيب، وتبقى فيه الشعلة التي استولدت آمالها من جراح رفيق الحريري ورهط الشهداء… ومن كرم رماده الكثير، مضاءة… ويبقى نصلها ماضياً، لكي تستوقد الأجيال منه ومن الأفعال الماضية، أفعال المضارعة والمستقبل.