#dfp #adsense

14 شباط 2008: تظهير “القضيّة” وعوامل القوّة

حجم الخط

جماهير الاستقلال بحاجة إلى “تعبئة استراتيجية”.. و14 آذار هي الأقوى باعتمادها الثبات والصمود

14 شباط 2008: تظهير “القضيّة” وعوامل القوّة

نصير الأسعد

 

في 14 آذار 2005، بعد مرور شهر على جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفي مناخ التحدّي الذي ولّدته تظاهرة “شكراً سوريّا” التي نظمتها القوى الحليفة للنظام السوري بقيادة “حزب الله” في 8 آذار، إحتشدت جماهير القوى الإستقلالية وجماهير غير متحزّبة إلا للإستقلال في مشهد مليوني أتى يؤكد رجحان ميزان القوى اللبناني لصالح حركة الإستقلال عن الوصاية السورية ونظامها الأمني في لبنان.


14 آذار 2005: ثورة ناقصة؟


كان الحشد المليوني يومذاك مسبوقاً بسقوط حكومة رستم غزالي برئاسة عمر كرامي، وبخطاب لرئيس النظام السوري بشّار الأسد يعلن إذعانه للقرار 1559 والإنسحاب من لبنان بحلول نهاية نيسان. يومها، أي في 14 آذار 2005، وفيما كانت القوى الإستقلالية تبلغ الذرورة الشعبية، جرى الإكتفاء بالتأكيد على الإنسحاب السوري الذي سيحصل بعد شهر، وعلى العدالة التي ستتشكّل لها لجنة للتقصّي بعد شهرين، وعلى رحيل قادة الأجهزة الأمنية الذي سيتحقق بعد أسابيع. بيد أنّه جرى “التحسّب” كثيراً من التوجه إلى بعبدا لإجبار رئيس التمديد إميل لحود على مغادرة القصر الجمهوري.


في 14 آذار بلغت الحركة الإستقلالية ذروة غير مسبوقة لكن بدا أنّها بعدم “إقدامها” لناحية إخراج لحود من بعبدا، وقد أسّست لمرحلة إنتقالية ستطول. سمّيت حركة 14 آذار حينها من قبل البعض بـ”الثورة الناقصة”، وقيل إنّ حركة 14 آذار أسقطت الوصاية السورية في عدد كبير من مواقعها لكنّها لم “تجهز” عليها، وقيل أيضاً إنّ إنتفاضة الإستقلال تعرّضت لـ”الإجهاض”.


14 شباط 2006: الهجوم غير المقدور عليه


في السنة التالية، في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الرئيس الحريري في 14 شباط 2006، بدا أنّ القوى الإستقلالية التي صار إسمها قوى 14 آذار، تريد إستدراك “ثورتها” أي إستكمالها، وأنّها تريد تحقيق ما لم تحققه العام السابق. وأمام حشد مليوني جديد، حدّدت قوى 14 آذار عنواناً واضحاً: إسقاط إميل لحود.


لم تكُن قوى 14 آذار في 14 شباط 2006 في وضع سياسي يمكّنها من تنفيذ هذا العنوان الصحيح. فالأكثرية الشعبية التي تتمتع بها لم تمنحها قبل أشهر أكثرية نيابية حاسمة لإقالة لحود. وعلى كلّ حال تكفّل الرئيس نبيه بري آنذاك بـ”كبح” الإندفاعة ونظّم مؤتمر الحوار الوطني الذي سيتبيّن أنّ له وظيفة تخديرية.
14 شباط 2007: الدفاع
في الذكرى السنوية الثانية لإستشهاد الرئيس الحريري في 14 شباط 2007، بدا أنّ الحركة الإستقلالية انتقلت إلى وضع دفاعي حيال الإنقلاب الذي بدأته قوى التحالف السوري ـ الإيراني في كانون الأول على “حاملة” حرب تموز 2006. كان مشهد مليوني آخر، استمع خلاله الناس إلى خطاب “ضدّ” الفريق الآخر وشعاراته ومواقفه.


غداً: لا وعود ولا مواعيد


إلام يهدف هذا الإستعراض السريع لثلاث محطّات في ثلاث سنوات؟
من البديهي بدايةً أن يكون الهدف فتح باب النقاش في تجربة الحركة الإستقلالية. فما تمّ إستعراضه سريعاً ليس “أحكاماً” قاطعة على هذه التجربة. ذلك أنّ ما يمكنُ للبعض أن يعتبره خطأ أو تقصيراً أو تراجعاً يمكنُ للبعض الآخر أن يراه “موضوعياً” و”طبيعياً”. والمثالُ على ذلك أن ليس ثمّة وجهة نظر واحدة حول ما إذا كانت القوى الإستقلالية أخطأت في عدم التوجّه إلى بعبدا في 14 آذار 2005 أو هي لم تخطئ، بالصلة مع ما “كان يمكن” أن يحصل في حال إحتشد شعب الإستقلال حول القصر الجمهوري، وبالصلة مع ما كانت عليه رغبات الكنيسة المارونية آنذاك حيث لم تخفِ رفضها إسقاط رئيس الجمهورية “في الشارع”.


بيد أنّ الهدف الأساسي ممّا تمّ إستعراضُه بسرعة في هذه المقدّمات، هو “محاولة” الجواب عن السؤال الآتي: ماذا “يجب” أن تقول قيادات 14 آذار للجماهير المحتشدة غداً في الذكرى الثالثة لإستشهاد الرئيس الحريري؟
في نقاش جرى خلال الأيام القليلة الماضية بين متحمّسين لـ14 آذار ولقضيّة 14 آذار، تمّ التوصّل إلى قناعة بأنّ على قوى 14 آذار أن تحاذر “الخطابية”، أي الإنزلاق إلى مواقف تتضمّن وعوداً ما أو مواعيد ما، أي إنّ عليها أن تتجنّب الخوض في ما لا يسعُها تقديره أو إستشرافه مسبقاً.


“الأرض” و”خارطة الطريق”
غير أنّ ذلك لا يعني أن ليس لدى قوى 14 آذار ما تقوله وما يجب أن تقوله.
في ما لديها أن تقوله وما يجب أن تقوله، جانبان. الأول هو تحديد “الأرض” التي تقف عليها حركة 14 آذار. والثاني هو توضيح “خارطة طريق” المرحلة المقبلة.


في “الأرض” التي تقفُ عليها حركة 14 آذار أنها حركة “مختلطة” تحقّق التواصل بين مختلف الطوائف. وفيها أن قواها متّحدة ومتماسكة حول هدف إستكمال الاستقلال وبناء دولة الاستقلال. وفيها أنها تستند الى توازن قوى داخلي شعبي وسياسي لمصلحتها، سيؤكده الحشد المليوني المتجدّد غداً. وفيها أنها ليست وحدها في هذا العالم، فمعها الشرعيّتان العربية والدولية. وفيها أنها لكل ذلك هي الأقوى، خصوصاً في وقت لا يسع الفريق الآخر التفاخر بأي إنجاز “إيجابي”.


السدّ في وجه الحرب الأهلية


أما في الجانب المتعلق بـ”خارطة طريق” المرحلة المقبلة، فثمّة كلامٌ دقيق لا بد من قوله. فـ14 آذار حركة استقلال ومشروع بناء دولة وليست مشروع حرب أهلية. ولذلك فإن إستراتيجيتها هي إستراتيجية ثبات وصمود. وبثباتها وصمودها تمنع الحرب الأهلية التي يطرق الفريق الآخر أبوابها. و”ثوابت” 14 آذار محدّدة: فإلى استكمال الاستقلال وبناء دولته، تتمسّك 14 آذار بالتسوية التي تحمي لبنان من الحرب السورية على استقلاله، ومن الحرب الأهلية في آن، أي المبادرة العربية، وتتمسّك بالعدالة الدولية وهي آتيةٌ حثيثاً، وتلتزم باتفاق الطائف وبمقرّرات الحوار.
14 آذار تعتمد إذاً استراتيجية ثبات وصمود. وتلتزم “خارطة طريق” الى استكمال الإستقلال وبناء دولته، تقوم على الطائف والمحكمة الدولية ومقرّرات الحوار والنظام الديموقراطي والعيش المشترك.


استراتيجية الصمود و”التعبئة الاستراتيجية”
إذاً، عندما يُقال إنّ لدى 14 آذار ما تخاطب به حشدها المليوني غداً، فإن المقصود بالضبط هو أنها صاحبة قضية لا بد من أن تحصل بشأنها “تعبئة استراتيجية”.


لا ينتظر الناس غداً “تعبئة تكتيكية”، أي لا ينتظرون “وعداً” بهدف مباشر قد لا يتحقّق. ينتظرون من قادة حركة الاستقلال تظهيراً لـ”القضية” ولعوامل القوة، وتأكيداً على الصمود. والصمود ليس عنواناً سلبياً.. لأنه “الفعل” الذي يربك النظام السوري و”معارضته”. ينتظرون أن يشكّل يوم 14 شباط “محطّة” في “نضال من أجل قضيّة”، إكتسبت ـ القضية ـ قوّتها من دماء رفيق الحريري ودماء سائر شهداء ثورة الأرز.


غداً في 14 شباط 2008، سيكون ذلك هو الفارق بين هذا العام والأعوام الثلاثة الماضية في نفس التاريخ.
بالتأكيد، إن أحد أهداف الاحتشاد هو إعادة تظهير توازن القوى الداخلي. وهو إفهام النظام السوري و”معارضته” أن إلغاء الاستقلال وحركة الإستقلال مستحيل. بيدَ أن الهدف الأهم هو أن “يتجنّد” الحشد للقضية وأصحابها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل