لا للعسْف والاستبداد والعتمة والاحتلال والوصاية والتبعية
السنيورة يدعو إلى الانتصار للشهداء والاستقلال
عشية احياء الذكرى الثالثة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، دعا رئيسٍ الحكومة فؤاد السنيورة اللبنانيين الى “الانتصار اليوم للبنان ولرفيق الحريري ورفاقه الشهداء وللحرية واستعادة الارض والكرامة والاستقلال والديموقراطية والبناء والتقدم”.
واكد ان “الالغاء او رفض الآخر او التشدد ما كانت رؤية رفيق الحريري او ممارسته ولا هي رؤيتنا ولا ممارستنا”، معلنا “اننا نريد كلنا الشراكة الحقيقية في كل اوجه القرار ولا حاجة الى التعطيل او التحشيد بحجة الوصول الى الشراكة”.
جاء ذلك في كلمة القاها السنيورة مساء امس في هذه الذكرى وهنا نصها:
“أيها اللبنانيون، قبل 1095 (ألف وخمسة وتسعين يوماً) من هذا اليوم، نَفَّذَ المجرمون الحاقدون، جريمتَهم الكبرى في حق لبنان واللبنانيين، باغتيالهم كبيراً من كبارنا، ورائداً من روادنا، وقائداً فريداً من قادة مسيرتنا، نحو الحرية والتقدم والاستقلال. إنه الشهيدُ، الحبيبُ، رفيقُ الدرب والصِبا والنِضال، أبو الفقراء والكادحين والعِصاميين التوّاقين إلى العِلْم والتقدم والبناء، إنه الشهيدُ رفيق الحريري، الذي اغتيل والصديقَ باسل فليحان مع مجموعةٍ من رفاقهم الشهداء الأبرار. وطالت من بعدُ قوافلُ الشهداءِ والمعذَّبين الذين لاحقتْهم وتُلاحقُهُمْ أَيدي الغدْر والإرهاب.
أيها اللبنانيون، تحلُّ الذكرى الثالثة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، ولبنانُ ما يزالُ يبحثُ عن العدالة وعن الأمن وعن الاستقرار وعن الدولة القوية والحامية والديموقراطية، دولة العيش المشترك ودولة الطائف.
لبنان لا يزال يبحث عن العدالة ويناضل لتثبيت استقلاله لأن المجرمين الذين ارتكبوا الجريمةَ النكراءَ ما يزالونَ بعيدين عن يد العدالة وان كانوا ربما أحسوا بخطرها وبقرب إدانتهم وكشف فعلتهم أمام المحكمة الدولية. ولهذه الأسباب فقد ازداد توترهم وصلفُهم وهِياجُهُمْ ضد لبنان.
لقد ظن المجرمون الحاقدون، أنهم باغتيالهم رفيقَ الحريري ورفاقَه، سيتمكنون من اغتيال لبنان والأحلام والآمال التي جسدها رفيق الحريري. لكنكم أنتم يا إخواني وأحبائي، يا شعبَ لبنان بكل أطيافه وفئاته، أثبتُّم منذ ثلاث سنوات إلى الآن، أنّ الحُلُمَ باقٍ والهدف واضح، والإرادة باقية والعزم قوي، لا يتراجعُ ولا يَلين.
لقد كانت لاستشهاد رفيق الحريري معانٍ كثيرةٌ، وهو الذي عمل وناضل، من اجل تثبيت استقلال لبنان الوطن، لبنان البلد العربي الديمقراطي وذلك على أساس العلاقات الطبيعية والمتوازنة مع جميع إخوانه العرب وفي مقدمتهم الشقيقة سورية. رفيق الحريري الذي عمل وناضل من اجل ترسيخ نظامه الديموقراطي وتأكيد مبدأ تداول السلطة في وجه محاولات إسرائيل لضرب النموذج اللبناني المستنير والمنفتح. رفيق الحريري الذي عمل وناضل من أجل تثبيت وتطبيق اتفاق الطائف، وتعميم مفاهيم الحرية وتدعيم الديموقراطية في بلد الحرية والعيش المشترك، بلد التنوع البنّاء الذي يحاولون تفتيتَهُ وتحويله إلى نتف وشراذم.
أيها اللبنانيون،
أيها الإخوة المواطنون، ليس من الطبيعي، أن يذهب ضحية الاغتيال وعلى مدى العقود الماضية عشراتٌ من رؤساءَ وسياسيين ورجال دين ومثقفين كبار ونواب ووزراء وإعلاميين، ولا يُبذَلُ أيُّ جَهدٍ جادٍ لكشْف الفاعلين. ليس من الطبيعي أو المقبول أن يبقى لبنانُ ساحةً للاغتيال والإرهاب. لم يعد من المقبول أن لا يستطيع اللبنانيون الأحرار أن يعيشوا آمنين متمتعين بالحقوق الأساسية للمواطنة مبدأً وممارسةً، دونما خوفٍ أو استلاب.
هذه القضية، قضية الحرية والاستقلال والدولة المدنية وتطبيق الطائف، التي استشهد رفيق الحريري من اجلها، ليست قضيةَ فئةٍ أو مجموعةٍ، وليست في الوقت ذاتِه، قضيةَ أكثرية، أو أقلية، موالاة أو معارضة، إنها، قضية الوطن كله. قضية كل اللبنانيين من الجنوب إلى النهر الكبير ومن الساحل إلى آخر حبة من تراب جبالنا الشرقية. من هنا تكمن أيضاً أهمية المحكمة ذات الطابع الدولي لردع وإيقاف مسلسل الاغتيال والإرهاب وتوطيد دعائم الأمن والاستقرار.
أن نكون في وطننا أحراراً مستقلين ومحترمين، هي القضيةُ الأساسُ التي يُفترضُ أن تجمَعَنا وتُوحّدَ صفوفَنا. ولهذه الأسباب فإنّ تلاقينَا يومَ غدٍ في ساحة الحرية، وساحة الشهداء، هي للقول للمجرمين، الذين عملوا على اغتيال قادتِنا ونُخَبِنا، أنّ الشعبَ اللبنانيَّ لن يرضى الخنوعَ أمام الخوف والذل والترهيب والتهديم. وأنّ الشعبَ اللبنانيَّ مُصِرٌّ على إكمال المسيرة التي أرادها رفيق الحريري في سائر وجوهِها وأبعادِها الإعمارية والاقتصادية والثقافية، وفي عمليات بناء الدولة، بناء النموذج اللبناني الفريد في هذا التنوع وهذا الموقع وهذا التراث وهذا الدور وذلك من أجل الحاضر والمستقبل.
لقاؤنا يومَ الغد هو إثْباتُ أننا نستأهلُ استقلالَنا وحريتنا وكرامَتنا. ولهذه الأسباب إني أدعو كلَّ إخواني في لبنان إلى أن يعتبروا يومَ غدٍ، يوماً للعزة والوحدة من اجل لبنان ومن أجل كل شهداء لبنان. شهداء الاستقلال الأول وشهداء الاستقلال الثاني.
أيها اللبنانيون، أيها اللبنانيات، أيها الإخوةُ المواطنون، دعوني أَغتنمْ هذه المناسبةَ الطاهرةَ والأليمة، لكي أعودَ واستذكرَ معكم كلَّ ما يجمعُنا ويوحِّدُ صفوفَنا. إن استعادة الأرض المحتلة، والاستقلال والحرية والديموقراطية والعدالة، وتطبيق الطائف والتقدم والازدهار، هي قضايا كل اللبنانيين، ولهذه الأسباب نتوجه يوم الغد إلى وسط العاصمة وقلب بيروت التي تجمع كل اللبنانيين على حب لبنان والتفاني في إعلاء شأنه. ولهذه الدواعي يكون نزولنا إلى وسط بيروت من أجل إزالةِ الأسبابِ المانعةِ لعودة الحياة الطبيعية إلى بلدِنا وعاصمتنا ومؤسساتِنا الدستورية، ولهذه الأسباب يجب أن لا ننسى إنّ انتخابَ رئيسٍ جديدٍ للجمهورية هو أولويةُ الأَولويات بالنسبة إلينا جميعاً.
اللبنانيون لا يريدون النزاعَ الداخليَّ، ولا العودةَ إلى التقاتل، ولا مصلحة لهم في ذلك على الإطلاق. فاختلافهم وتقاتلهم هما هو حتماً لمصلحة العدو الإسرائيلي. وما لم تنجح إسرائيل في تحقيقه في عدوانها على لبنان في تموز من العام 2006 هي تأمل في تحقيقه من خلال اختلاف اللبنانيين ونزاعاتهم.
اللبنانيون يريدون العملَ الحرَّ والواعيَ، والتسابُقَ نحو الأفضل ومن ضمن مؤسساتِهم الدستورية، من أجل تقدم بلدهم.
اللبنانيون يريدون علاقاتٍ عربيةً وثيقةً ومتوازنةً تقومُ على الاحترام المتبادل بين كل الأشقاء العرب، وفي ذلك مصلحة لهم ومصلحة لكل العرب وفي مقدمهم الشقيقة سوريا.
اللبنانيون يريدون علاقاتٍ منفتحةً مع كل العالم باستثناءِ العدو الإسرائيلي، لأنه يغتصبُ الأرضَ ويشرِّدُ الشعبَ الفلسطينيَّ ويهدِّدُ الكَيانَ ويرفضُ الاعترافَ بالحقوق المشروعة للفلسطينيين وللبنانيين والعرب.
هذا ما يُريدُهُ اللبنانيون، واللبنانيون ينبغي أن يقفوا صفاً واحداً في وجه من يعمل على منعهم من تحقيق هذه الأهداف. لذلك، فإنّ مناسبةَ الغد، هي دعوةٌ الى التقدم والتمسُّك بالحرية والعيش المشترك، نُثْبِتُها غداً في ساحة الشهداء، رافعين العَلَمَ اللبناني في وجه كلِّ حاقدٍ على لبنان وشعبِ لبنان، واستقلالِ لبنان.
ننزلُ غداً إلى ساحة الشهداء وساحة الحرية نستذكرُ رفيقَ الحريري ورفاقَهُ الشهداء، وندعو إخوانَنا في الوطن ممن لم ينضمّوا إلينا إلى التفكير ملياً لكي تكون قضايانا واحدةً كما هي بالفعل، ولكي تُصبحَ شعاراتُنا واحدةً وتظاهراتُنا واحدةً وانتصاراتنا واحدة.
ننزلُ في الغد إلى ساحة الشهداء، وندعو إخوانَنا في كل لبنان، إلى الانضمام إلينا، إن لم يكن غداً فبعد غد، فنحن باقونَ هنا وسائر المواطنين إلى أيّ جهةٍ سياسيةٍ انتمَوا باقون في أساسِ الوطن، وأساسِ لبنان. لا يستطيعُ أحدٌ إلغاءَ أحدٍ ولا يُريدُه. وما كان الإلْغاءُ أو رفض الآخر أو التشدُّدُ رؤيةَ الشهيد رفيق الحريري أو ممارستَه، ولا هي رؤيتنا ولا ممارستنا. كلنا نريد الشراكة الحقيقية في كُلِّ أَوجُهِ القرار ولا حاجةَ الى التعطيل أو التحشيد بحجة الحُصولِ على الشَراكة أو الوصول إلى الحلول الوطنية الكبرى. إنّ الشراكةَ ليستْ مِنّةً من أحد على أحد، ولكنها مقتضى العيش المشترك، ومقتضى وجود لبنانَ وحرياتِه ومقتضى نظامنا الديموقراطي البرلماني ودستورنا الذي ارتضيناه والذي ينظم العلاقات في ما بيننا باعتبارنا لبنانيين وباعتبارنا مواطنين. انتصروا غداً للبنان، لرفيق الحريري ورفاقه الشهداء، انتصروا للحرية واستعادة الأرض والكرامة والاستقلال والديموقراطية والبناء والتقدم والانفتاح والازدهار.
لا للعسْف والاستبداد والعتمة والاحتلال والوصاية والتبعية. أثبِتوا للعالم مجدداً أننا شعبٌ يستحق الحياة، يستحق الاستقلال، ويستحق لبنان، ويستحق ما استشهد من أجله رفيق الحريري وشهداءِ لبنان جميع شهداء لبنان. نعم للبنان كما أراده رفيق الحريري، عربياً، سيداً، حراً، مستقلاً، مزدهراً بوحدة أبنائه ودماء شهدائه وآمال صغاره وشبابه بالغد الواعد. بهذا، ولهذا، سيبقى لبنان، سيبقى لبنان، سيبقى لبنان.