إيران والقمة العربية
حسان حيدر
حسان حيدر
مع اقتراب الموعد المفترض للقمة العربية المنتظرة في دمشق، لا بد ان نتوقع المزيد من التصعيد الخطابي للرئيس الايراني احمدي نجاد الذي أعلن مجدداً قبل أيام عن «قرب انهيار اسرائيل وزوالها»، وبشّر الفلسطينيين والعرب بأنهم سيستفيقون في موعد ليس ببعيد ليجدوا ان عدوهم القومي اختفى من على سطح البسيطة. ومع ان تصريحات نجاد هذه تلقى بسهولة من ينتقدها في عواصم العالم ويشجب «لا ساميتها» و «لا معقوليتها»، الا ان المقصود فعلا بها ليس مجرد استفزاز اسرائيل او الغرب، بل بالدرجة الاولى استفزاز العرب انفسهم، لأنها تمثل تشكيكاً في الخيار الاستراتيجي الذي تبنوه وأكدوا عليه في اكثر من قمة: خيار السلام في مقابل استعادة الاراضي المحتلة في 1967.
وهدف التشكيك هو تبرير وتعزيز الاختراق الايراني للحال العربية الجانحة الى السلم، عبر حلفاء طهران في «حزب الله» وحركة «حماس» وسورية، وهو اختراق تمثلت ذروته في حرب تموز 2006 في لبنان والتي كانت احدى أهم رسائلها اثبات قدرة ايران على تخريب التوجه العربي السلمي وعرقلته. وتكرس هذا التوجه الايراني ايضاً في الانقلاب الذي نفذته «حماس» في قطاع غزة على السلطة الوطنية المفاوضة ثم في اقتحام الحدود بين غزة ومصر، في تهديد مباشر لأمن اكبر دولة عربية.
ربما يختلف التقويم بين دولة عربية واخرى في شأن الخطوات السياسية والتفاوضية التي ينبغي القيام بها في مواجهة اسرائيل وملاءمة توقيتها، لكن هذه الدول ملتزمة جميعها مبدأ السلام، بما في ذلك سورية نفسها، بعدما وصلت الى قناعة عملية بأن خيار المواجهة العسكرية الذي اعتمدته على مدى عقود لم يخلف سوى المآسي والدمار، ولم يفلح، بسبب موازين القوى الاقليمية والدولية، في تهديد وجود اسرائيل ولا حتى في استعادة الاراضي العربية المحتلة. وحتى الفلسطينيون انفسهم الذين خاضوا ضد اسرائيل أنواعا من المواجهات المسلحة والمدنية تختلف عن استراتيجيات الدول، وحققوا نجاحا في انتفاضتهم الشعبية ضد الاحتلال، رأوا ان استمرار القتال الى ما لا نهاية يعني اضاعة فرصتهم في اقامة دولتهم المستقلة، فقبلوا الحل المرحلي وخيار التفاوض والسلام الذي صار بعد ذلك خيارا عربيا جمعيا شرطه انسحاب اسرائيل من الجولان والاراضي الفلسطينية وما تبقى من أراض لبنانية محتلة، وايجاد حل مرض لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين واقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وعلى رغم انه كان خياراً صعباً في السياسة ويحتاج وقتاً طويلاً لبناء الثقة بين الجانبين، فقد عنى اصطفاف العرب وراء المبادرة السلمية انهم يريدون اغلاق الباب في وجه استخدام قضيتهم ورقة في أي تجاذبات اقليمية ودولية، وتجنيب المنطقة المزيد من الحروب التي تعوق التنمية وتستهلك الثروات.
لكن هذين المنطق والتوجه لا يستقيمان مع رغبة ايران في فرض نفسها «قوة عظمى» اقليمية تجد مبرراً لتوسيع نفوذها في استمرار حال العداء والحرب، فاعتمدت طهران خطابا مناقضا للتوجهات العربية يعلن «قرب اندحار الصهيونية ونظامها»، واستنفرت حلفاءها في لبنان وفلسطين، بتأييد ودعم من سورية، لإبقاء جبهات التوتر مفتوحة ومشتعلة.
وسواء عُقدت القمة العربية العتيدة او تأجلت او تغير مكانها، فإن المهمة الأساس امام العرب تبقى في كيفية اغلاق المنافذ الايرانية الى الداخل العربي، بإجماع او من دونه.