نصرالله يرفض تسلّم دعوة زعيم “المستقبل” و “يهضم” قتل مغنية.. في دمشق
سعد الحريري: هذه جماهيرنا وهذه قوّتنا.. ولا نريد التصادم
نصير الأسعد
نصير الأسعد
ساحتان تخاطبتا أمس بشكل غير مباشر وتبادلتا الرسائل. الأولى في ساحة الحرية في قلب بيروت في الذكرى الثالثة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري. والثانية في الضاحية الجنوبية في تشييع القائد العسكري لـ”حزب الله” الحاج عماد مُغنية الذي يؤكد الحزب انّ إسرائيل إغتالته في العاصمة السورية دمشق.
ساحة الأكثرية الساحقة
في الساحة الأولى في قلب بيروت، فاق الحشدُ هذا العام الحشد في السنوات الماضية بل كان أكبر من 14 آذار 2005.
في هذه الساحة، تأكدت حقيقةُ انّ حركة 14 آذار ليست فقط أكثرية نيابية إنما هي أكثرية شعبية.. ومن بعيد. وفيها بدا “النصابُ” المسيحي على حقيقته حتى ليمكن القول إن جديد هذا العام هو بالضبط تلك الانتفاضة المسيحية من داخل إنتفاضة الاستقلال، التي أتت تطوي “صفحة الجنرال”، وأتت تهتف لبكركي وسيّدها البطريرك نصرالله بطرس صفير بوصفه هو البطل الاستقلالي، وللعماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية باعتباره غدا الرئيس التوافقي بعد أن ساندته حركة 14 آذار.
لهذا الإحتشاد المميّز أسباب كثيرة. بيد أنّ كلّ الأسباب تُختصر في واحد. إنّ الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني، بالرغم من الأكلاف الباهظة جرّاء الاغتيالات وجرائم الإرهاب والتعطيل والتهديد والوعيد، متمسّكة باستقلال لبنان ومصمّمة على إستكماله وبناء دولته. وهذه الأكثرية تزيد عاماً بعد عام، وتزداد إصراراً على مقاومة الإنقلاب على الإستقلال.
الحريري: هذه أكثريتنا فلا يمعننّ أحد في الفتنة
ومع ذلك، لم ينتشِ قادة 14 آذار بالحشد “العظيم” ليعلنوا المواجهة مع “الفريق الآخر” أو “المعارضة”. كانت الرسالة أوضح ما تكون على لسان زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري. الرسالةُ تقول إنّ هذا حشدُنا وهذه أكثريتنا المؤكّدة والمعزّزة للمرة الرابعة، ويا أيها الفريق الآخر إصغ إلى ما تقوله أكثرية شعبك ولا تمعن في التحدّي، ولا قدرة لك على الغلبة ولا تستطيع محاربة مليون ونصف المليون لبناني، ولا خيار أمامك إلا القبول بالتسوية الحقيقية التي تجسّدها المبادرة العربية. وتقولُ الرسالةُ أيضاً إنّ النظام السوري لم ينجح عبر حربه المفتوحة على لبنان وإستقلاله وإستقراره ونظامه ودولته، في ليّ عزيمة الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. وبرسم الجامعة العربية، قالت الرسالةُ إنّ هذه الأكثرية اللبنانية تطالبُ بأن يكون للبنان رئيسٌ قبلَ القمة العربية، وإنّه لا يجوز أن تنعقد القمّة ولبنان بلا رئيس.. فإمّا رئيس للبنان وإمّا لا قمّة. بكلام آخر، تطلبُ الرسالةُ مؤازرة عربية لأكثرية اللبنانيين.
وبطريقة أو بأخرى، دعا سعد الحريري إلى “وحدة الدم” علّ الشهادة ودماء الشهادة توحّد “الساحات”. فهو الذي دان أول من أمس جريمة إغتيال مغنية، وتقدّم بالتعزية من “حزب الله”، “إفترض” أنّ من شأن هذه الجريمة، إذ تصيب الفريق الآخر هذه المرّة، أن تفتح عيون الحزب على ضرورة التلاقي من جديد مع اللبنانيين غيره. وقد لفت إلى “التناوب” على لبنان بين إسرائيل والنظام السوري.
ساحة الضاحية: غيابُ السؤال عن “كيف” قتل مغنيّة
لكن ما كان الردّ من الضاحية الجنوبية ولماذا؟
قبل الدخول في الجواب “المباشر” عن هذا السؤال، لا مفرّ من التوقّف عند “ظروف” إغتيال شهيد “حزب الله” عماد مغنيّة.
أيّاً يكن من إغتال مغنيّة، فإنّ إغتياله تمّ في دمشق. وتمّ في منطقة يفترض انّها “شديدة” الأمان في العاصمة السورية.
فالمكان الذي إغتيل فيه أشبه ما يكون بـ”حيّ إيراني” على ما يروي عارفون.. أي أنّه مكان “محميّ”. والمكان لا يبعُد سوى أمتار عن أحد مكاتب الاستخبارات العسكرية السورية ورئيسها.
كذلك، معروفٌ أنّ مغنيّة “مطلوب”. هو مطلوبٌ لإسرائيل بصفته القائد العسكري والأمني الأبرز بل الأول في “حزب الله”.
وهو مطلوبٌ لعشرات أجهزة الاستخبارات الغربية بصفته “متهماً” بقيادة “تنظيم للعمليات الخارجية” وبارتكاب “أعمال إرهابية”.
ولذلك، فمغنيّة، رجل “سرّي” بامتياز ويتحرّك بالطرق الأمنية اللازمة. وثمّة مفاجأة في أن يتبيّن أنّ إغتياله تمّ بطريقة “نظيفة” أي أن توضع له متفجّرة في سيارته غير المحروسة وأن يتمّ اصطياده على “أرض حليفة”.
من هنا، فالقول أنّ إسرائيل إغتالته ليس في المبدأ منافياً للواقع. لكنّ السؤال في حالة مغنيّة ليس من قتله بل كيفَ تمكّن القاتل من قتله؟.
أكثر من خرق.. تواطؤ
الجواب الذي تسرّب من دمشق يُفترض ألا يصدقه “حزب الله”. الجواب يتحدث عن “خرق أمني”، أي “خرق أمني” بواسطته عرفت إسرائيل بوجود مغنيّة في العاصمة السوريّة أولاً، وتعرفت الى صورته وشكله “المتبدّلَين” ثانياً، وأحيطت علماً بمواعيده ثالثاً، واطّلعت على حركة تنقله رابعاً. فهل هذا مجرد “خرق أمنيّ” أم أنه تواطؤ إستخباراتيّ سوري؟. أمّا لماذا يكون ثمّة تواطؤ إستخباراتي سوريّ مع إسرائيل، فلا يحقّ لـ”حزب الله” استبعاده بينه وبين نفسه على الأقل، إذ قد يكون “رأس مغنيّة” دفعةً على الحساب. فـ”المسار السوري ـ الإسرائيلي” مفتوح عبر قنوات عدة.
ردّ نصرالله: الساحتان باقيتان
ومع ذلك، من حق “حزب الله” ان يقدّر الموقف وان “يستوعب” ما حصل، لأن ما حصلَ “ضربة كبيرة” وهو لا يقلّل منها على أيّ حال.
وفي هذا السياق مفهوم تماماً أن يتّهم “حزب الله” إسرائيل. مفهومٌ أيضاً الا يتعمّق الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله، علناً، في ملابسات الجريمة. ومفهومٌ أيضاً وأيضاً أن يتوعّد إسرائيل سواء بـ”قرب إنتهاء وجودها” أو بـ”حرب أمنية” على مدى العالم.
لكن ما ليس مفهوماً أن يقرن كل ذلك بردّ على “ساحة رفيق الحريري” يدمُج بين الحركة الاستقلالية اللبنانية “الباحثة” عن أرضية مشتركة معه وبين إسرائيل وأميركا. ألم “يتوعّد” نصرالله الأكثرية بقوله رداً على ما طرحته ان “لبنان لن يكون إسرائيلياً وموطئاً للصهاينة ولن يكون أميركياً”؟. وإذا كانَ زعيم “اللقاء الديموقراطي” وليد جنبلاط أعلن استحالة التعايش مع “دولة حزب الله”، ولم يُعلن استحالة التعايش مع “حزب الله” بلا “دولة”، وعبّر عن ضرورة قيام الدولة الواحدة وإما لنتفق على الطلاق، فهل الردّ يكون “ليرحَل من لبنان”؟. أم ترى أربكت الساحة الأولى نصرالله بالمليون ونصف المليون إستقلاليّ لبنانيّ؟.
.. ودمشق في الحساب
إذاً، من الساحة الأولى، أطلق سعد الحريري الدعوة الى إلتقاء الساحات لا تصادمها، من موقع الأكثرية اللبنانية الساحقة، ودعا إلى التوحّد ضدّ إسرائيل وإعتداءاتها على لبنان من ناحية وضدّ تخريب النظام السوريّ في لبنان من ناحية أخرى.
من الساحة الثانية، ردّ السيد نصرالله الدعوة، بل رفض تسلّمها.
من هنا، يمكن القول إنّ ساحتَين كانتا “متجاورتين” امس، لكنهما في العمق بقيتا متباعدتَين. ليست المرّة الأولى التي “يهضم” الحزب “غدرات” النظام السوريّ. فخلال ربع القرن الماضي حصلَ ما يشبهُ الحاصل اليوم. دمشق هي “ممرّ دامٍ” و”كأس مرّ”، لكنها في الحساب دائماً عند “حزب الله”.. ولن يكون مبادراً.
ساحتان تبقيان ساحتين، فالشرق شرقٌ والغرب غربٌ ولا يلتقيان.. إلا بإذنه تعالى!.