#adsense

طـوفــان الـوفـــاء

حجم الخط

طـوفــان الـوفـــاء

راجح الخوري

  

لتكن الثالثة ثابتة، أكيدة وراسخة، قال شهيد لبنان رفيق الحريري من عمق ضريحه النابض بالحياة.
وهكذا كان 14 شباط امس يوم الحشر الشعبي والسياسي، وبامتياز فاق ما عرفه لبنان في 14 آذار من عام 2005. فيا “يوم بزرجمهر” وقد اتوا فيه يلبون النداء والذكرى ويجددون العهد والوعد، ويكتبون مرة ثالثة إلياذة الصمود والاصرار على الحرية والسيادة والاستقلال وعلى الحقيقة التي تصون الوطن والانسان، في هذا الوطن المفعم بالآلام وبإرادة الحياة والانتصار رغم كل ما يتعرض له من تنكيل وقتل ومؤامرات.


كم مرة يستطيع هذا الشعب الهائل ان ينزل بمئات الآلاف، بمليون ونصف مليون من الحناجر، وهو امر غير مسبوق في تاريخ الشعوب، ليقول:


لبيك لبنان. ها نحن عند امانة الدم، دم الشهادة التي كتبت استقلال لبنان الجديد. لبيك رفيق الحريري. لبيكم جميعا ايها الشهداء الذين ترسمون لنا طريق السيادة والحرية.

 

لتكن الثالثة ثابتة، قال رفيق الحريري، فالساحة ساحة الحرية، والشوارع شوارع الوطن المستقل. وهكذا تدفقت الجموع المليونية الى ضريحه غابات من المظلات والحناجر والقلوب والعقول والحماسة غير المسبوقة في تاريخ الشرق والغرب: ولبيك لبنان، لبيكم شهداء لبنان.


تدفقوا من الارياف البعيدة ومن البلدات الجبلية ومن الاحياء والتخوم. تماما مثل المطر المنهمر غزيرا امس تدفقوا. عشر ساعات في العراء الصقيعي الماطر وقفوا وهتفوا.


وكان في وسع سعد الحريري ورفاقه في تجمع 14 آذار ان يروا بالعين المجردة ان سياسات التعطيل والتعجيز وتفريغ الدولة من مؤسساتها، وممارسات القهر وما قوبلت من التغاضي والصمت، قد تحولت سيلا بلغ الزبى في صدور الناس، تماماً كما بلغ السيل الزبى في العاصفة الشتائية امس التي ستعطي هذا الحشد الهائل معنى اسطوريا في الامانة الشعبية والاخلاص والحماسة والوفاء للبنان ولرفيق الحريري وكل الشهداء، ربما لانه لا شيء في الاساس يوازي هذا المطر المدرار الا هذا السيل الهدار من الدماء التي سالت من اجل لبنان السيادة، “لبنان أولاً”، الذي صار وصية الأب للابن، حيث استمع اللبنانيون أمس الى رفيق الحريري صارخاً بصوت سعد الحريري “أن لا قيمة للقمة العربية من دون رئيس لبناني”، ربما لأن لبنان كان دائماً زينة الأوطان العربية في نظر الرئيس الشهيد.


لوهلة امس لم تعد ساحة الحرية منصة الملايين، فمع فيضان الامطار وجلال الحشود صارت طوفانا من الوفاء والامانة والحماسة للكرامة والحرية. وربما بقليل من المخيلة كان يمكن رؤية رفيق الحريري في موقع نوح وقد عاد بـ”طوفه” لانقاذ البلاد!


عشر ساعات تحت المطر ايضا في الضاحية لوداع شهيد المقاومة عماد مغنية. فهنا تسيل الدماء من اجل لبنان وهناك ايضا تسيل من اجل لبنان.


عشر ساعات تحت المطر المدرار في مجرى الوفاء المدرار، فماذا يكون في وسع هذا الشعب اللبناني ان يفعل لو تلاقت الايدي الممدودة وتصافحت وبنت جسورا؟ وماذا لو سُمح لها بان تلتقي، او تمردت والتقت؟!

المصدر:
النهار

خبر عاجل