14 شباط والتمرد على الاغتيال
وليد شقير
وليد شقير
تزداد عملقة رفيق الحريري مع مرور الأيام، بدلاً من أن يتلاشى تعلّق الناس به، مع تقادم الزمن الذي يجعل الذاكرة تتآكل.
فالذكرى الثالثة لاستشهاده أظهرت تزايد اتساع حضوره عما كان قبل الجريمة التي غيبته، بالانفجار الذي هدف الى محو أي أثر له، والذي أعقبته محاولة طمس معالم الجريمة وإجبار محبيه على دفنه في التراب… ونسيانه والعودة الى عيش ذليل خانع وقابل بنظام قمعي قائم على القهر والخداع واصطناع الموازين السياسية بقوة العنف والترهيب تحت شتى أنواع الشعارات الغشاشة والرنانة التي طالما استخدمت للتعمية على الرأي العام وللتغطية على الباطل.
وعلى رغم ان تجربة محاولة منع جماهير اللبنانيين ومحبي الحريري في عام 2005 من الحزن على فقده، ومن الغضب العاطفي والسياسي على اغتياله، فشلت وأنتجت تظاهرة 14 آذار الاستثنائية التي كانت مؤشراً الى قلب الموازين، فإن الذين استخفوا بمخزون التمرد على الظلم المتراكم الذي لحق به، والذي أصاب جمهوره باغتياله، لم يتوقفوا عند حد، بل كرروا اغتياله مرات ومرات وأسقطوا أكثر من عشرة قياديين ورموز وطنية لبنانية لإخضاع اللبنانيين ولم يأبهوا لإنهاء حياة مواطنين أبرياء لتيئيس اللبنانيين ودفعهم الى الاستسلام.
كانت الذكرى الثالثة مناسبة جعلت محبي الحريري وخصومه يتذكرون ابتسامته، التي تمزج بين البراءة والحنكة والذكاء، ويستعيدون صفاء نيته ووطنيته وعروبته، واعتداله ورجاحة عقله وسعيه الدؤوب الى التسويات في النزاعات الداخلية والعربية وأصالة سريرته وعمق التزامه تنمية بلده وإطلاق إمكاناته الواعدة وسعيه الدؤوب الى عودة مقومات الاستقلال اليه بدءاً بتعزيز مؤسساته، ليكون تبوؤ الحكم لأي كان، مقترناً بحد أدنى من الكرامة.
ومع استمرار الصراع على لبنان، يتضاعف اقتناع محبيه بأنه كان عملاقاً. وكلما أراد من قرروا إلغاءه تكرار محاولة إلغائه من الذاكرة، ترسخت تلك القناعة لدى عامة الناس الذين يتكاثرون عما كانوا عليه في عام 2005… ووجب على آل الحريري أن يواكبوا هذا التعاظم في الالتزام السياسي والشعبي بما بات يرمز اليه الرجل العملاق، سياسياً وإنمائياً ووطنياً.
وفي الحال هذه، لا يستقيم تحسّر بعض خصوم الحريري على الرئيس الشهيد والقول، في خضم الانقسام الكبير الذي يعيشه لبنان حول خياراته الإقليمية وتوازناته الداخلية، انه لو كان على قيد الحياة، لكان تصرف في شكل مختلف عن قادة المرحلة الراهنة.
إنه قول لا يهدف سوى الى التقليل من شأن الزعامات السياسية لمرحلة ما بعد الحريري، من صفه وحلفائه ومن عائلته ومن خلفه سعد الحريري. وهي محاولة جديدة لإلغاء المفاعيل السياسية للتمرد على الاغتيال، فزعامة آل الحريري المتجددة، التي يتولاها نجله، ولدت من رحم الاغتيال نفسه. ومن يأخذ على سعد الحريري أنه أقل إقبالاً على المساومة من والده الراحل، يريد منه أن يسلّم بأن رفيق الحريري قتل في حادث سير، تماماً كما اعتبر أرباب النظام في عام 2005 وحلفاء دمشق أن الحزن لن يدوم أكثر من أسبوع وتطوى القضية… وهو ما يجعل خصومه يتعرفون على وجه جديد، أكثر صلابة مما يعتقدون، وأشد إصراراً على مواجهة مفاعيل الاغتيال الموجه الى مقومات لبنان الاستقلالية وعلى التسوية المشرفة، التي جرى إلغاء الحريري الأب، لأنه كان يأمل بها ويعمل لها.
وبعيداً من هذا السجال فإن احتفال لبنان بواقعتين مأسويتين أمس في 14 شباط يطرح مقارنة من نوع آخر: لولا الأزمة السياسية الخانقة في لبنان والتي شكل اغتيال الحريري فاصلاً رئيساً فيها لكان مشهد تشييع القائد المقاوم عماد مغنية أمس، الذي يشكل رمزاً نضالياً كبيراً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ويختصر سيرة آلاف المقاومين الصبورين في «حزب الله» وغيره، مغايراً. ولكان جزء كبير من الذين أحيوا ذكرى الحريري سيشاركون في التشييع. لقد تضاعفت المأساة بحصول مشهدين.