ثقافتا الحياة والموت
عوني الكعكي
للمرة الثالثة يتوافد الشعب اللبناني الى ساحة الشهداء لإحياء ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد الكبير رفيق الحريري…
تخرج الأكثرية الغالبة بتظاهرة مليونية لتأكيد السيادة والاستقلال على قاعدة لبنان أولاً… إذ ان الرئيس الشهيد الكبير رفيق الحريري لم يكن عادياً بل ظاهرة تاريخية وزعامة من الصعب ان ينجب لبنان مثيلاً لها، وشواهد إنجازاته الكبرى في كل زاوية في هذا الوطن.
.. كان الهدف من اغتياله اغتيال لبنان، ولكن الشعب اللبناني هبّ بانتفاضة سلمية كبرى، في اللحظات الأولى لعملية الاغتيال الإجرامية، معلناً وبقوة تمسكه بنهج رفيق الحريري، فكانت النتائج كبيرة، وحقق الرئيس الحريري باستشهاده استقلال لبنان الثاني.
… أمس خرجت الحشود المليونية لتأكيد خيارها الاستقلالي، وتصميمها على التمسّك بنهج الرئيس الشهيد الكبير رفيق الحريري، ولكن مع ذلك ظهرت في هذه المناسبة ثقافتان، الأولى ثقافة الحياة وبناء الوطن والدولة وسيادة القانون على الارض اللبنانية ومثلتها قوى 14 آذار، وقد تجلت بكلمات زعماء الأغلبية وقادتها، ثقافة تدعو الى الحوار البناء بين اللبنانيين، وهذا ما عبّر عنه رئيس تيار المستقبل الشيخ سعد الحريري.
في المقابل، وبمناسبة تشييع القائد في حزب الله عماد مغنية ظهر الامين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله ليطلق سلسلة من المواقف، فهم منها رفض الحوار واليد الممدودة، والأخطر من ذلك ان السيّد نصرالله دعا الى الحرب المفتوحة.
… هنا بدا للبنانيين أن أكثريتهم الساحقة تدعو للحوار ولتوحيد الصف الوطني، ولإطلاق عمل المؤسسات الدستورية من خلال انتخاب رئيس للجمهورية، ومن ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية، إذ ان فريق 14 آذار أكد بذلك تمسكه بلبنان الواحد، ولم يرفض المشاركة الوطنية، ولكن في اطار معادلة ان تكون الشراكة كاملة حتى في قرار الحرب والسلم، كما أكد هذا الفريق رفضه لأي بديل لاتفاق الطائف، وهذه ثقافة حياة تؤمن للبنانيين عيشاً كريماً وحرية خلاقة، وتؤمن لوطنهم السيادة على القرار.
.. اما المنطق الآخر، فقد كان مختلفاً للغاية، وقد مثله السيّد حسن نصرالله، وقد فهم من كلمته إصراره على التمسك بالسلاح، واحتكار قرار الحرب والسلم، بمعزل عن بقية شركاء الوطن… وما سمعناه امس من الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله نعتقد انه يشكل خوفاً عند اللبنانيين، وهلعاً عربياً، إذ انه دعوة لتحميل الشعب اللبناني ما يفوق طاقته على الاحتمال، أو بما يعني إبقاء هذا الوطن الصغير ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.
… إذاً، فإن لبنان أمام حالين، حال أكثرية تريد لهذا الوطن العيش الكريم والسيادة والاستقلال ودولة ترعى شؤون كل اللبنانيين، وحال معارضة تعمل لتعطيل المؤسسات الدستورية وشلها عن العمل، بل وصل بها الأمر الى محاولات حثيثة لتعطيل المؤسسات الدينية من خلال التهجم على المقامات الروحية.
… المشكلة الكبرى تكمن في أن الأقلية مصرّة على استباحة البلد لمصلحة الآخرين من خارج الحدود، وهي على ما يبدو مصممة على نهجها التدميري في المجالات كافة، وتقوم بتعميم ثقافة الموت في المجالات الكبرى، ونأمل في مطلق الأحوال أن تعيد المعارضة النظر في ممارساتها، والعودة الى الضمير الوطني، فقد حان الوقت لإخراج لبنان من أزماته لبناء الدولة القوية المتماسكة، ومن الحرام أن تبقى هذه الارض مستباحة لتحقيق مآرب وأهداف خارجية.