لبنان والقمة العربية
راجح الخوري
نعم “لا قيمة للقمة العربية من دون رئيس لبناني” كما قال النائب سعد الحريري في الاحتفال الحاشد بالذكرى الثالثة لاغتيال والده الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
هذه الكلمات القليلة ربما تكون الأكثر عمقاً وتعبيراً عن ابعاد الازمة اللبنانية المستفحلة التي لا يتخبط فيها اللبنانيون وحدهم بل يتخبط فيها أيضاً العرب والأسرة الدولية.
واذا كان سعد الحريري أراد ان يحضّ قوى المعارضة في لبنان على الذهاب الى انتخاب العماد ميشال سليمان المرشح التوافقي رئيساً للجمهورية بحيث توضع الازمة على طريق الحل ويتمثل لبنان في القمة العربية المقبلة، فان غياب الرئيس اللبناني عن هذه القمة الذي يعني غياب لبنان طبعاً، انما يشكل انتقاصاً موضوعياً سياسياً ومعنوياً من القمة ومن لبنان في طبيعة الحال.
ولكن بمقدار ما يبدو ضرورياً وملحاً ان يبدأ اللبنانيون تجاوز ازمتهم التي باتت تهدد استقرارهم ومستقبل وطنهم، بالمسارعة الى انتخاب رئيس للجمهورية يطلق عملية الحل والتفاهم، بمقدار ما يبدو ضرورياً وملحاً ان يفهم الاشقاء العرب خطورة استمرار الازمة اللبنانية وغياب لبنان عن القمة، وما يتضمن هذا الغياب من سلبيات قد تنعكس على الاوضاع العربية في المستويين الوطني والقومي.
وعلى هذا الاساس يقول سعد الحريري انه لم يطلق شعاره، وهو عميق المغزى، من زاوية تتصل بالقمة التي ستعقد في دمشق في 29 – 30 آذار المقبل فحسب، بل ايضاً من زاوية الحرص على الجامعة العربية، والعمل العربي المشترك والعلاقات العربية عموماً، وعلى صورة العرب كمنظومة تجد نفسها مُطابقة دائماً بايجاد الحلول والتسويات التي تواجه الاسرة العربية مجتمعة او احدى دول هذه الاسرة.
في كلام اوضح، لم ينطلق سعد الحريري في حديثه عن القمة وقيمتها المتصلة بالحضور اللبناني، من مجمل التحذيرات العربية التي برزت في الاسابيع الاخيرة على قاعدة تنبيه القيادة السورية من ان استمرارها في عرقلة الحل في لبنان سيدفع بدول عربية كبرى مثل مصر والسعودية وغيرهما الى مقاطعة القمة في دمشق التي تحرص سوريا على ان تكون منطلقاً لتوسيع دائرة الانفتاح العربي عليها على الاقل.
لم ينطلق الحريري من هذا العامل فحسب، وهو يعرف مثل غيره ان فشل القمة في دمشق سينعكس سلباً على اعمال مؤسسة القمة العربية عموماً وربما سيعيدها الى حال التعطيل التي مرت بها سابقاً، بل انطلق كذلك من طبيعة العلاقة التفاعلية بين مؤسسة القمة واطارها في الجامعة العربية والازمة اللبنانية المتمادية التي اذا كانت تهدد لبنان بالفوضى فإنها تهدد العمل العربي المشترك بالافلاس والعجز وعدم القدرة على حل أي مشكلة من مشاكل الأمة.
وفي الواقع عندما تقوم الجامعة العربية ببذل الجهود ووضع المبادرات وتصطدم دائماً بالعراقيل والشروط التعجيزية، وهو ما واجهه عمرو موسى في بيروت اخيرا حيث بدا ان المعارضة متمسكة بافشال “المبادرة العربية” المعدّلة، فان السمعة العربية تواجه الانهيار هي ايضاً. فالازمة في لبنان مفتوحة ومتمادية على ما هو واضح ومفهوم. ولكن بمجرد انعقاد القمة في ظل هذا الفشل المدوي الذي يتمثل بغياب لبنان، فان الامر سيبدو بمثابة اعلان صريح عن الافلاس في آليات العمل العربي المشترك الذي تشكل مؤسسة القمة اعلى مراتبه.
طبعاً هناك دول عربية تحرص على الا تظهر هذا المظهر الذي نشير اليه، وقد بذلت منذ نشوب الازمة اللبنانية جهوداً حثيثة ومضنية لدفع اللبنانيين الى الحوار والتفاهم وايجاد الحلول التي تنهي الازمة وترضي الجميع، وترسخ الوحدة والتكاتف الوطنيين.
طبعاً يعرف الجميع ما بذله المصريون، وبنوع خاص ما بذلته السعودية وبسهر خاص من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله الذي جنّد سفيره د. عبد العزيز خوجه شهراً بعد شهر، ويوماً بعد يوم، وعلى مدار الساعة لترتيب الأجواء واعادة الاشقاء اللبنانيين الى الحوار، وقد رافقت هذا الجهد السعودي اتصالات حثيثة مع القيادة الايرانية. ولكن الاصرار على التعطيل والعرقلة حال دون نجاح هذه المساعي كما يحول الآن دون نجاح المساعي العربية المشتركة عبر “المبادرة العربية” التي كانت نتيجة الاجتماع الطارىء لوزراء الخارجية العرب لاستئناف السعي لحل الازمة اللبنانية، وبدعوة من الرياض على ما هو معروف.
فعلاً لا قيمة للقمة العربية من دون رئيس لبناني، وخصوصاً تلك القمة التي ستعقد في دمشق، ولأنها ستعقد في دمشق تحديداً من المهم جداً ان يحضرها لبنان كدولة عربية حرة سيدة ومستقلة.