#adsense

خيارُ “الحرب المفتوحة” هروبٌ إلى الأمام

حجم الخط

خطابُ نصرالله في تشييع مغنيّة محكومٌ بـ”لحظة عاطفيّة” لكنّه أشّر إلى “جديد” أكثر إشكالية
خيارُ “الحرب المفتوحة” هروبٌ إلى الأمام
نصير الأسعد

 

في قراءة للمرحلة اللبنانية المقبلة، لا مفرّ من التوقّف مجدّداً عند ما حمله خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله في تشييع القائد العسكري والأمني للحزب الحاج عماد مغنيّة من مواقف “جديدة”.
تبنّي مغنيّة وصفحات من تاريخه


بطبيعة الحال، لم يكن مفاجئاً أن يُعلن “حزب الله” ما لم يكن يُعلنه خلال عقدين ونصف العقد من الزمن، أي انتساب مغنيّة إليه، وإلى أعلى المراتب القيادية فيه.. وقد بات مغنيّة شهيداً.


كذلك، لم يكن مفاجئاً ـ إلى حدّ كبير ـ أن “يتبنّى” الحزب وأمينه العام “تاريخ” شهيده مع وعدٍ بالكشف عن صفحاتٍ من هذا “التاريخ” في الفترة المقبلة تحت عنوان “إنصاف الشهيد”.. وإن كان الإنتظار ضرورياً لمعرفة أيّ صفحات بالتحديد سيتمّ الكشف عنها، على إعتبار انّ “حزب الله” دأب خلال السنين الماضية على “التنصّل” رسمياً من أعمال اتّهم “الحاج رضوان” بارتكابها.


وأخيراً، لم يكن مفاجئاً أن يتعمّد السيّد نصرالله عدم إعطاء أيّ بُعد لكون إغتيال مغنيّة حصل في دمشق، بل أن يتعمّد عدم الخوض في هذا العنوان من الأساس. فالإعتبارات عنده متعدّدة وتتعلّق بحليفين إستراتيجيين هما النظام السوري وإيران. وإذا كان ثمّة “علامات إستفهام” حول أمور تدخل في “عالم الإستخبارات”، سواء حول دور الإستخبارات السوريّة، أو حتّى الإستخبارات الإيرانية، فانّ المسألة من وجهة نظر الحزب تحتاجُ إلى “رويّة” أو قد تحتاجُ إلى “تجاوز”.


ردّ نصرالله: جغرافيا جديدة للحرب


على هذا الأساس، كان طبيعياً ـ ومفهوماً ـ أن يأخذ نصرالله الأمور سياسياً باتجاه المعركة الرئيسية.. مع إسرائيل، أي انّ الأمين العام لحزب الله وقد “حسم” ان إسرائيل هي التي اغتالت مغنيّة، أعلن الحرب “الكاملة” على إسرائيل.
في هذه الحرب “الجديدة” على إسرائيل، يبرزُ “جديدان” سياسياً، أي في الإعلان السياسي الرسمي من جانب “حزب الله” عنهما.


الأول، يُستنتجُ من قول نصرالله للإسرائيليين “إذا كنتم تريدون حرباً (إستخباراتية من نوع إغتيال مغنيّة) فلتكن حرباً مفتوحة وعلى مدى العالم بأسره”. ففي هذا القول إعلانٌ عن إستعداد “حزب الله” لـ”حرب أمنية مفتوحة”، ما يعني قراراً من الحزب بتغيير “جغرافيا الحرب” مع إسرائيل.
“المثلّث” اللبناني ـ الفلسطيني ـ العراقيّ


والثاني، وهو نفسُه نتيجة الأول، انّ “حزب الله” يُعلن رسمياً عن “أذرع خارجية” له، أي “أذرع” خارج لبنان.
في ما تسرّب في الأيام الماضية عن دور “الحاج رضوان”، وبموافقة من “حزب الله”، انّ القيادي الكبير الشهيد كان عاملاً بقوّة على “المثلّث” اللبناني ـ الفلسطيني ـ العراقي، أي كانت له “يد” في المقاومة داخل فلسطين وأخرى في “المقاومة” داخل العراق، فضلاً عن دوره المركزي في “المقاومة الإسلامية” في لبنان.


..و”الحرب السريّة”


غير انّ إعلان الإستعداد لـ”حرب مفتوحة” ذات طبيعة أمنية بالدرجة الأولى، يتجاوزُ “الكشف” عن العلاقة بين ثلاث “مقاومات”، كانت معروفة ولو انّ الحزب لم يشأ سابقاً تأكيدها بما هي علاقة “تنظيميّة” أو “عضويّة”. إنّه إعلانٌ إمّا عن “تحريك” لـ”جهاز خارجي” قائم بالفعل وإمّا عن توجيه لجزء رئيسي من “الفاعلية الأمنية” نحو الخارج. والبعضُ ممّن توقّفوا مليّاً عند هذا الجزء من خطاب نصرالله لم يستبعد أن يكون الأمر بمثابة “حرب سريّة” إيرانية ـ حزب اللّهية مشتركة.
طبعاً لا يحقّ لأحد وهو يتمعّن في قراءة خطاب السيّد أن يتجاهل حقيقة انّ “اللحظة” التي ألقي فيها هي “لحظةٌ عاطفيّة” بإمتياز. ذلك انّ إغتيال عماد مغنيّة خسارةٌ فادحة لحزب الله مهما قيل عن “التعويض”، لأنّ الشهيد “موسّس” وليس مجرّد مسؤول عن “مهمّة” يمكن التناوب على المسؤولية عنها.


بيد انّ قائداً بحجم نصرالله، حتّى في لحظة عاطفيّة، لا يُطلق الكلام “على عواهنه”، أي انّه يرسم إشارات تتّصل بالمرحلة السياسية المقبلة.


أسئلة كثيرة: علامَ يجيب “حزب الله”؟
مِن هنا، فانّ ثمّة أسئلةً كثيرة تطرحُ في ضوء ما باحَ نصرالله به.
السؤال الأول هو: لماذا وجد “حزب الله” بمناسبة تشييع القائد البارز فيه انّ من مصلحته “كشف الأوراق” إلى هذا الحدّ، أي إلى حدّ تبنّي ما كان يرفض تبنّيه؟.


والسؤال الثاني هو: لماذا يبدو “حزب الله” كأنّه أمام معركة “وجوديّة” أخيرة، حتّى يضع “الجميع” ومن دون إستثناء لبنانياً وعربياً وإقليمياً ودولياً “في ظهره”؟.


والسؤال الثالث هو: لماذا يعتبر “حزب الله” و”كأنّ” إغتيال “الحاج رضوان” مناسبة للخروج من “المأزق الموضوعي” الذي تنوجد فيه مقاومته بعد حرب تموز 2006 والقرار 1701ليعلن حرباً مفتوحة، الامني فيها يمثل الشكل الرئيسي؟
والسؤال الرابع هو: إذا كان السؤال الثالث يقصد: هل “الحرب الأمنية” المفتوحة هي البديل من “المقاومة”؟، فانّ السؤال الرابع يقصد: “هل تشكّل الحرب الأمنية المفتوحة ـ بمناسبة إغتيال مغنية ـ المخرج من المأزق اللبناني الداخلي؟


“الإشكاليات” و”الهروب إلى الأمام”


هذه الأسئلة وغيرها الكثير، ليست مطروحةً الآن بهدف الخوض في العديد من “الإشكاليات” المتعلّقة بحزب الله في “جانبه المقاوم” أو في الجانب السياسي اللبناني الداخلي. إنّها أسئلةٌ مطروحة بهدف حضّ الحزب على التفكير ملياً في كيفيّة “التموضع” بعد جريمة إغتيال الحاج عماد مغنية. وإذا كان “تموضعٌ” مختلف مطلوباً من “حزب الله” قبل إغتيال مغنية، فانّه مطلوب أكثر بعده، كي لا يكون الحزب في صدد “هروب إلى الأمام”.


في ما أعلنه السيّد نصرالله، ما يضرّ بلبنان بالتأكيد، إذ يتحوّل إلى نقطة إنطلاق في “جغرافيا أمنية” واسعة جديدة.. وإذ يضع البلد أمام أكلاف باهظة على كلّ صعيد.


لكن في ما أعلنه ضرراً بحزب الله نفسه إذ ينتقل إلى “ساحة” يعرف كثيرون انّ له باعاً فيها.. وقد تفوّق على إسرائيل المحتلة في الجنوب في الجانب الأمني، لكنّه عندما تصبح “الساحة” محدّدة على نطاق “العالم كلّه” يصبح هو حزباً “سريّاً” لـ”عمليات سريّة”.. يصبح “شيئاً آخر”.


نعم، إنّ خسارة عماد مغنية كبيرة. لكن “الواقعية” مطلوبة. وإذا تعمّق الحزب في الدرس، سيكتشف انّ حمايته هي في علاقته بسائر اللبنانيين وبتفاهمه معهم لا بالتصادم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل