سوريا لا تدفع مقدّماً !
سركيس نعوم
في موضوع اغتيال الرئيس رفيق الحريري تبدو ثلاثة أمور واضحة. الأول، عدم رغبة سوريا في رؤية المحكمة ذات الطابع الدولي تتوصل الى أحكام قضائية. ويظهر ذلك في الممارسات الفعلية السورية وخصوصاً في لبنان اذ ترمي الى دفعه بكل الوسائل الممكنة الى التخلي عن المحكمة ولو كان الثمن استقراره بل وجوده. ويظهر أيضاً في خلال الكلام الذي يقوله مسؤولون كبار عرب واجانب عن هذا الموضوع لعدد من نظرائهم العرب. والأمر الثاني، عدم “حماسة” الجمهورية الاسلامية الايرانية للتحقيق والمحكمة الدوليين ليس لأن حلفاءها اللبنانيين متورطون في الاغتيال المشار اليه بل لأنهما يربكان حليفها الاساسي في المنطقة اي سوريا بشار الأسد. علماً ان المسؤولين الكبار فيها لا يعتبرون أنفسهم وبلادهم معنيين بهذا الموضوع سواء من قريب أو من بعيد. لكن المواجهة الاقليمية والدولية التي يخوضون تفرض عليهم مسايرة حليفتهم سوريا. وأما الامر الثالث، فهو عدم رغبة حلفاء سوريا في لبنان الذين يرتبط عمودهم الفقري أي “حزب الله” بتحالف عضوي مع ايران في احراج سوريا لا حباً بها وحرصاً على مصالح حليفهم الايراني فحسب بل ايضاً حرصاً على مشروعهم اللبناني المرتبط بالمشروع الايراني واستطراداً بالمشروع السوري.
اما في موضوع اغتيال القائد العسكري الكبير في “حزب الله” عماد مغنية فان هناك اموراً ثلاثة تبدو واضحة بدورها. الأول، هو اصرار سوريا على اجراء تحقيق عميق في الاغتيال أولاً، لأنه وقع على أرضها. وثانياً، لأنه يشير في شكل من الاشكال الى ان امنها صار مكشوفاً امام اعدائها. وثالثاً، لأنه قد يشير الى عدد من الاختراقات المعادية للداخل السوري وربما النظام السوري. وهذا أمر لا يمكن ان يقبل به الحاكمون في دمشق لأنه يهدد نظامهم بجعل بلادهم مسرحاً لعمليات مماثلة وتصفية حسابات معينة ويدفع جهات داخلية معادية أو معارضة الى التجرؤ على الانتقال الى المعارضة العنفية. والأمر الثاني، هو اصرار ايران على اجراء تحقيق “حقيقي” وعلى الاشتراك فيه ربما لأنها تريد ان تعرف اذا كانت صلابة النظام السوري لا تزال مستمرة واذا كان أمن “جماعاتها” في دمشق وغيرها من مناطق سوريا لا يزال متوافراً .
والدافع الى هذا الاصرار هو كون مغنية جزءاً من القيادة العملانية والامنية الايرانية مثلما هو جزء من القيادة العملانية لـ”حزب الله” اللبناني. علماً ان لا تعارض بين الأمرين لأن الحزب جزء من الجسم الايراني العسكري والامني والايديولوجي رغم تمتعه بهوية وطنية مختلفة. وهذا أمر غير مهم عند اصحاب الايديولوجيات الدينية التي لا تعترف بالحدود ولا سيما الاسلامية منها. اما الامر الثالث فهو اصرار “حزب الله” على كشف حقيقة الاغتيال. اولاً، للتأكد من ان الملاذ الآمن الذي شكلته سوريا لقياداته وحتى لعناصره لا يزال آمناً وان ما حصل لا يعدو كونه اختراقاً مهماً ولكنه استثناء وليس قاعدة. وثانياً، للتأكد من ان وضعه اللبناني سيبقى على قوته وان العناصر السورية لهذه القوة باعتبار ان عنده عناصر اخرى لها، لا تزال موجودة.
الا أن ما يشغل بال الجميع في سوريا وايران وداخل “حزب الله” وهذا أمر لا يقال ولكن يُفكر فيه، هو أمور ثلاثة. الأول، هل قررت اميركا واسرائيل، رغم اقتناعهما بضرورة بقاء نظام الأسد في سوريا لخطورة البديل منه عليهما، بضرورة الضغط عليه امنياً كي يعود الى المرونة التي كان عليها مؤسسه الراحل حافظ الأسد؟ وهل قررتا تخييره بين الاستجابة والمرونة أو الرحيل؟ والأمر الثاني هو هل صارت سوريا مكشوفة في الداخل وعاجزة رغم كل اجهزة مخابراتها عن معرفة ماذا يدور فيها. ومعلوم ان من شأن ذلك تهديد النظام الحاكم فيها جدياً؟. أما الأمر الثالث، فهو هل هناك خرق ما أو تواطؤ في الداخل السوري مع مرتكبي اغتيال مغنية؟ وما هو حجم الخرق؟ ومن هي الجهات الخارجية التي تقف وراءه؟ وهل من جهات داخلية اساسية تعرف به او تباركه؟
طبعاً لا يمكن الاجابة عن هذه الاسئلة كلها اولاً لقلة المعلومات، وثانياً لأن التحقيقات لا تزال في اولها. إلا ان ما يطمئن الى انها ستكون جدية هو كون ايران الاسلامية معنية بها ومهتمة. لكن ما يمكن في هذه العجالة هو التعليق على اصحاب العقل التآمري من لبنانيين وغير لبنانيين الذين اعتبر بعضهم ان اغتيال القائد مغنية هو نتيجة صفقة اميركية – سورية أو حتى اميركية – ايرانية او مقدمة لصفقة من هذين النوعين. ونحن في هذا المجال لا نقول ان سوريا الأسد لا تعمل صفقات. ففي تاريخها صفقات كثيرة. وذلك عمل تقوم به الدول عادة. لكننا نقول ان من يؤمن ومنذ الآن أي مع بدء التحقيقات بوجود صفقة سواء كان خائفاً منها على لبنان او سعيداً بها لأنها تعزز وضعه في لبنان، اننا لا نعتقد بوجود صفقة كهذه، وكلامنا نابع من تحليل وليس من معلومات لغيابها. وتحليلنا يقول ان من يتابع مسيرة سوريا “الاسدين” يعرف ان احدى مشكلات اميركا معها، ودول أخرى، هي انها لاتدفع مسبقاً أي مقدما. بل تريد ان تقبض أولاً. وعند الدفع تقرر اذا كانت ستدفع نقداً أو بالتقسيط أو اذا كانت ستدفع جزءاً من المقابل وليس كله. وسوريا استناداً الى المعلومات المتوافرة لم تقبض شيئاً وخصوصاً من اسرائيل او في لبنان. وتحليلنا يقول ايضاً ان ايران حليفة سوريا لا تُخدع بسهولة.
وانه مثلما كان الحلف معها مفيداً جداً لسوريا فإن الخلاف معها وخصوصاً على خلفية صفقة على حسابها مع اميركا وهي في ذروة مواجهتها معها سيكون مكلفاً جداً. وتحليلنا يقول اخيراً ان سوريا لم تعد قادرة على “الانفصال” عن ايران رغم كل انواع الاغراءات الاميركية أو الاسرائيلية لأنها قوية الا اذا فقدت هذه القوة سواء بعمل عسكري اميركي او اسرائيلي او اميركي – اسرائيلي ضدها او بعمل عسكري ناجح في لبنان ضد “حزب الله” وان يكن ذلك مستبعدا او بتحرك داخلي ايراني معارض وان يكن ذلك ايضاً مستبعداً… الآن؟