
جنبلاط: أثبت جمهور 14 آذار أنه قادر على التعبير عن طموحاته السياسية بطريقة حضارية بعكس مشاهد إحراق الدواليب وقطع الطرقات وتكسير السيارات
أكد النائب وليد جنبلاط أنه :”مرة جديدة أثبت أحرار لبنان تمسكهم بالنظام الديمقراطي وإصرارهم على استكمال مسيرة السيادة والاستقلال بالرغم من كل محاولات الترهيب والاغتيال السياسي التي مورست بشكل منهجي طوال الأشهر الماضية والتي هدفت لتقويض كل مرتكزات السلم الأهلي وللانقضاض على المنجزات الكبرى التي حققها الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع كل القوى الديمقراطية في لبنان. لقد تحدى أحرار لبنان وأكدوا أنهم لا يخضعون للابتزاز السياسي أو للقرصنة والتخويف، ولا يهابون ممارسات تتناقض مع تراثهم السياسي ومع الحد الأدنى من أصول العمل الديمقراطي”.
لقد أثبت جمهور 14 آذار أنه قادر على التعبير عن طموحاته السياسية بطريقة حضارية وسلمية وفقاً للأصول الديمقراطية بعكس مشاهد إحراق الدواليب وقطع الطرقات وتكسير السيارات والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة وترويع المواطنين بمشاهد بوليسية إرهابية لا تمت إلى حرية التعبير بصلة، فنذكر جميعاً أحداث 23 كانون الثاني التي كانت محاولة انقلابية واضحة الأهداف والمرامي.
لقد قدم مشهد الأحرار في الرابع عشر من شباط الصورة الحقيقية للبنان الذي لطالما كان منارة للحرية في مواجهة الديكتاتورية، وموقعاً متقدماً للديمقراطية في مواجهة الطغيان، فيما قدمت مشاهد أخرى السواد القاتم نموذجاً للمستقبل الذي يريدونه للبنان عنوةً، والخطاب التخويني البائد خياراً للعمل السياسي، والأهم من كل ذلك طبعاً الإشهار العلني بمفهوم لبنان الساحة الذي أسسوا ومهدوا له عبر التعطيل المنهجي للمؤسسات والدستور والطائف.
لقد أكد خطابهم أنهم على طلاق تام مع مشروع الدولة وأنهم يريدون السير بمشروعهم على حساب الصيغة اللبنانية من خلال التمسك بالسلاح حتى نهاية الصراع العربي- الإسرائيلي ومن خلال استمرار لبنان ساحة مواجهة مفتوحة تشعل فيها الحروب وفقاً لحساباتهم ومصالحهم وظروفهم، مع العلم أن الأرض اللبنانية محررة بالكامل باستثناء مزارع شبعا التي تحدد لبنانيتها بترسيم الحدود مع سوريا. لقد تحدثوا بوضوح عن نقل أرض المعركة وكأن الأراضي السورية المحتلة لا تصح أن تكون أرضاً لمعركة بهدف استمرار التفاوض عبر لبنان وعلى أرضه حصراً. فها هي التقارير الإعلامية التركية وغير التركية تكشف عن لقاءات متجددة أجراها المفاوض السوري إبراهيم سليمان مع مسؤولين إسرائيليين في تركيا وبحضور مسؤولين أتراك، فلماذا يفاوض السوري وأرضه محتلة ويحارب اللبناني وأرضه محررة؟
فما هي وظيفة المقاومة بعد تحرير الأرض؟ في الوقت الذي أقترب مؤتمر الحوار الوطني من مناقشة مسألة الاستراتيجية الدفاعية وسبل حماية لبنان، اندلعت حرب تموز وتوالت أعمال التعطيل وخطابات التخوين. فإذا كانت هذه المقاومة لا تريد الاندماج في الدولة ومؤسساتها وفقاً لإستراتيجية دفاعية واضحة فإن ذلك قد يؤسس لانحراف تدريجي نحو الإرهاب على طريقة أبو نضال، وهو ما يقضي على ما أنجز على مستوى تحرير الأرض من الاحتلال. من السهولة بمكان إطلاق العمليات العسكرية وإشعال الحروب ولكن النتيجة ستكون تدمير متجدد للوطن وتهجير آخر لأهل الجنوب الذين عانوا طوال عقود، وتكليف لبنان فواتير مالية باهظة مرة أخرى بعد تدمير البنى التحتية والمرافق العامة والجسور.
إن نماذج حركات التحرر التي اعتنقت الديمقراطية والتنوع كان قليلاً جداً، خصوصاً إذا كانت هذه الحركات مدعومة من أنظمة ديكتاتورية قمعية وهذه هي الحالة في لبنان للأسف، فهل سنتوقع من قوى تعمل تحت شعارات محلية إنما هي مدعومة إقليمياً أن تدعم صيغة لبنان الفريدة في التعايش. ولو أن هذا الدعم الإقليمي قد يكون غائباً في محطات أساسية إذ لم نر أي موفد سوري يشارك في تشييع عماد مغنية في بيروت، ألا يطرح هذا التخلي في لحظات الحرج علامات استفهام؟
إن أداء تلك القوى المقاومة في مواضيع مختلفة يطرح تساؤلات مثل قضية الأشلاء التي يتم التلويح بها من حين لآخر. فلماذا لا تسلم هذه الأشلاء إلى الدولة اللبنانية لتتولى هي التفاوض في هذا الملف؟ وماذا عن ملف رون أراد الذي تظهر عنه معلومات حيناً وتختفي أحياناً أيضاً بحسب الظروف والمعطيات التي قد لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة الوطنية العليا.
لقد دلت الأحداث الأخيرة لا سيما التصفيات التي حصلت والخطابات التي تلتها بأن من يعتلي المنابر ليس بالضرورة هو من يمسك القرار بل لعله هو من يكون مكلفاً بإعلان هذا القرار، ومن الواضح أن هناك تركيبة سياسية أمنية فوق رؤوس هؤلاء الذين يهددون ويتوعدون هي التي ترسم وتخطط وتنفذ. من هنا، لا بد من القول كفى مراهنات على الخارج وكفى حروب عبثية مفتوحة وكفى مشاريع موازية لا بل مناقضة لمشروع الدولة اللبنانية. لقد آن الأوان للانخراط الكامل في مشروع الدولة الذي يستطيع تبديد هواجس جميع اللبنانيين واحتضان مختلف الاتجاهات. ولن يرحل من لبنان سوى الذين يرفضون نهائية الوطن ويرفضون الاعتراف بدولته ونظامه الديمقراطي.