#adsense

السيد لا يريد الحرب المفتوحة ؟

حجم الخط

السيد لا يريد الحرب المفتوحة ؟

راشد فايد

 

الكلام على حرب أهلية في لبنان يقلق كما الكلام على استحالة وقوعها. فالتطمينات الى حصانة اللبنانيين تجاه احتمال التورط فيها، والحديث عن سياسة حافة الهاوية التي يزعم الجميع التنبه من الوقوع فيها وإن اقترب منها، يستلزم، لادخاله ماضي الذاكرة وصفحات الندم الوطني، أمرين: أولهما توافر اللحظة “التاريخية” وثانيهما توافر صاحب أو أصحاب المصلحة في اندلاع الحرب. وللتذكير فإن الحرب السابقة لم تنطلق من عين الرمانة، بل كانت تنتظر “البوسطة” في تلك الضاحية لتستأنف رحلة بدأت من مكان آخر وقبل مدة ولم يلحظها اللبنانيون، لانشغالهم بالحديث عن توازن رعب يمنع وقوعها وعن نضج لديهم أكبر منها، وعن تعلمهم درسا من الجارة القبرصية التي تقاتل بنوها، قبلهم بسنة، وانقسموا أرضا وشعبا ومؤسسات.


و”الامران” أي اللحظة التاريخية وأصحاب المصلحة في الحرب لا يحددهما اللبنانيون ولا يملكون القدرة على التغيير فيهما، خصوصا حين يتذاكى بعض القادة الداخليين ولفيفهم من نواب ومتحدثين فينفون تعبئة جمهورهم ضد الآخر فيما خطبهم لا تحوي الا عبارات التخوين والعمالة والتعبئة بالحقد المذهبي والمناطقي و”الغيتوي” والايحاء باحتكار الفقر والجوع وانقطاع الكهرباء لإزكاء حقد طبقي مزعوم.


لا أحد يستطيع أن يستند الى نص مكتوب أو مسموع صادر عن المعارضة لاتهامها بتسويغ الحرب الاهلية. لكن خطابها السياسي الذي التحق به وبنجاح الجنرال النائب، لا يفوت مناسبة سياسية أو مجلس عزاء (وما أكثر هذه المجالس نهايات الاسابيع) إلا يغرف من عبارات المراهقة السياسية التي عرفها لبنان في الستينات والسبعينات من القرن الفائت، والمبنية على احتكار العداء لاسرائيل، ومصادرة الوطنية، والغيرة على الفقراء وحتى نسبة من يريد، ولو كان أغنى الاغنياء، الى المعدمين، حتى يربط بين ما يدعي من طليعية سياسية وما يزعم من تمثيل الفئة الاوسع طبقيا.


الخطاب المذكور يستند الى هذين الادعاء والزعم ليروج للثلث المعطل في الحكومة المقبلة تحت مسمى المشاركة، وليبرر تعطيل مجلس النواب بأنه تصد لـ”المشروع الاميركي”، وليحول ضرب الحياة الاقتصادية انطلاقا من احتلال الاملاك الخاصة والعامة في ساحة رياض الصلح، عملا بطوليا أنجزه “المظلومون” في وجه “الظالمين”، تحت عناوين دينية منها رفض الذل، وعناوين اجتماعية منها رفض “أن نكون ماسحي أحذية “. والسؤال في الحالين الى أصحاب الشعارين: هل بين اللبنانيين من يريد الذل للبناني لأنه من هذه الطائفة أو تلك؟ وهل بين اللبنانيين من أجبر لبنانيا آخر على أن يكون ماسح أحذية على رغم شهاداته العلمية العالية أو المتوسطة؟


لا تؤدي التعبئة السياسية العمياء والغوغائية إلا الى الاحتقان في الشارع فيما كلام التهدئة يأتي بعد ظهور نتائجها دماء وتدميرا، كأنما القوى السياسية المؤججة للوضع تعتقد أنها تملك القدرة على ضبطه في الوقت الذي يناسبها، وكأنها تريد أيضا الإيحاء لطهران، المتضررة الكبرى من أي فتنة طائفية في لبنان، أنها تملك قدرة على المناورة عند حافة الهاوية وتستطيع أن توفق بين مقتضيات الاستراتيجية الايرانية وتكتيكات النظام السوري.


خطورة أخرى للعب على حافة الهاوية، هو أنه يجري في ظل إعلان قائد “حزب الله”، بعيد اغتيال “الحاج رضوان”، الاستعداد لحرب مفتوحة مع العدو الاسرائيلي. فقد علمنا التاريخ أن ما من قائد أو قوة خاض أو خاضت حربا على أكثر من جبهة في آن واحد إلا خسر أو خسرت المعارك على كل الجبهات. في ذلك معادلة تشي باستنتاجات كما يشي عكسها بالضد منها: فإما ان “حزب الله” يريد فعلا الرد على العمل الاسرائيلي الجبان وهذا يدفعه الى البحث عن تضامن داخلي وعن أوسع

 

احتضان شعبي، على نسق ما فعل قبل حرب تموز حين شارك في طاولة الحوار وطمأن اللبنانيين الى إرادته العيش المشترك فتحملوا مردود الدمار والتهجير والتخريب الاقتصادي. وقد أنكر ذلك عليهم لاحقا وحصر الفضل فيه بجمهور حليفه في “وثيقة التفاهم” الشهيرة. وإما أن الحزب لايريد هذه الحرب مع العدو الاسرائيلي، فيغرق قواه وأنصاره في حروب الأزقة في بيروت، وإن زعم وحركة “أمل” أن لاعلاقة لهما بـ”فتوات” الاحياء المنفلتين. وهو أمر يناقضه الواقع السياسي والشيعي الذي يعرفه الجميع وخلاصته أن وضع اليد الذي يمارسه الطرفان على أبناء الطائفة لا يترك خارج “إناءيهما “إلا من هم ضد توجهيهما، وهؤلاء لا ينتظمون في حزب أوحركة ولا يمتلكون قدرة تنظيمية و”لا غطاء سياسيا “ولا إرادة للاختلاف مع الأكثرية السياسية والشعبية التي هم من مؤيديها وجمهورها.


هل يريد السيد الحرب المفتوحة ؟
ما ستشهده شوارع بيروت في الآتي من الايام سيعطينا الجواب الصحيح والصريح.

المصدر:
النهار

خبر عاجل