لعبة الشارع أغرقت “حزب الله” في المستنقع الداخلي بلا جدوى سياسية
إعتداءات السبت “المنظّمة” للإلتفاف على مفاعيل ذكرى 14 شباط السياسية واستيعابها
إعتداءات السبت “المنظّمة” للإلتفاف على مفاعيل ذكرى 14 شباط السياسية واستيعابها
معروف الداعوق
منذ خروج الجيش السوري القسري من لبنان، وفي كل مرة يقوى فيها الصراع السياسي الدائر بين تحالف قوى 14 آذار والمعارضة بقيادة “حزب الله”، وتتعقّد فيه سبل حل الأزمة السياسية القائمة، يلجأ الأخير للتهديد بالنزول الى الشارع ويرسم السيناريوهات الخيالية الفوقية، ويلوّح قادته بأصابعهم وقبضاتهم تهويلاً في وجه خصومهم السياسيين، وكأنهم في مواجهة مع العدو الاسرائيلي وليس مع مواطنيهم اللبنانيين، في محاولة يائسة لإخافة هؤلاء الخصوم ودبّ الرعب في قلوبهم من دون جدوى لتحقيق حسم الصراع السياسي القائم لمصلحة الحزب ظاهرياً، وفعلياً لتحقيق أهداف النظام السوري في الإمساك بالقرار السياسي اللبناني بالواسطة ولتعويض خروج الجيش النظامي ومن ثم تعطيل كل مفاعيل المحكمة الدولية لمحاكمة مقترفي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذين وردت أسماؤهم في تقارير لجنة التحقيق الدولية·
جرّب الحزب هذا الأسلوب أكثر من مرة وفشل في تحقيق أهدافه السياسية المعلنة من اللجوء الى الشارع، بعد أن تحوّل هذا النزول الى احتلال دائم لقلب بيروت منذ أكثر من عام وأضرّ بأرزاق مئات العائلات اللبنانية، وكاد يتسبّب بنشوب حرب مذهبية سنّية – شيعية في يومي 23 و25 ك2 من عام 2007، لو لم يتم تداركها بسرعة من قبل القيادات الحريصة على السلم الأهلي داخل لبنان وخارجه، وبقيت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة صامدة تمارس مهماتها حتى اليوم·
منذ اسابيع، عاد “حزب الله” لاعتماد اسلوب اللجوء الى الشارع من جديد بالتعاون مع حركة “امل” من خلال اعتماد صيغة حرق الدواليب تحت ستار المطالب المعيشية ومسألة قطع الكهرباء، التي يتحمل ممثلو الحزب والحركة في الوزارات الحالية والسابقة مسؤولية كبيرة في تردي وضعيتها التقنية والمالية وغيرها وفي الفلتان المنظم لسرقة وهدر التيار في مناطق نفوذهما بعيداً عن المساءلة، لاستفزاز اهالي العاصمة والتسبب بالصدامات المذهبية التي يغذيها النظام السوري عند بعد، لتحقيق ما عجز عنه الحزب واتباعه منذ اكثر من سنة من خلال تعطيل المجلس النيابي وشل عمل الحكومة لإجهاض عمل المحكمة الدولية الذي اصبح على قاب قوسين او ادنى هذه المرة، ولمنع كل محاولات انجاح المبادرة العربية لحل الازمة اللبنانية، اذا لم يتحقق هذا الهدف الاساسي·
لم يفلح الحزب في استفزازاته المتكررة مع حركة “امل” لاشعال الفتنة في بيروت، فلجأ الى اعتماد الاسلوب نفسه في منطقة مار مخايل – الشياح، مما ادى الى تداعيات دموية خطيرة، لم يحسب حسابها، بعد اصطدام المتظاهرين مع الجيش اللبناني وسقوط العديد من القتلى والجرحى في حينه·
لم يأبه “حزب الله” والمعارضة عموماً، لما تسبب به لجؤهم المتكرر الى الشارع، وغرق الحزب في مستنقع ازقة العاصمة واحتلاله البشع وغير المبرر لقلب العاصمة، من ضرر على سمعة المقاومة ورصيدها وصدقيتها لدى اللبنانيين والمسلمين والعرب عموماً، وعاد لتكرار لعبة الشارع من جديد هذه المرة في العاصمة ايضاً، بعدما اعتبر البعض فيه انه بامكانه التحرك بحرية لحسم الامور لصالحه بعدما نجح في تحييد الجيش وشل فاعليته بالتحرك الحاسم بعد احداث مار مخايل الاخيرة، وانه بالامكان ممارسة ضغط فاعل ومزدوج على الاكثرية لارغامها على تقديم تنازلات غير منطقية في موضوع المبادرة العربية من جهة، ولقطع التحضيرات الشعبية الواسعة، لاظهار مدى حجم التأييد الشعبي لقوى الاكثرية في مناسبة الذكرى الثالثة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، من خلال ممارسة التخويف المسبق والاعتداءات المنظمة على الجمهور المؤيد لهذه القوى في العاصمة والضواحي من جهة ثانية، وعندما لم تفلح كل التهديدات السياسية وحملات التخويف التي اطلقها العماد ميشال عون باسم “حزب الله” والمعارضة علناً من خلال وسائل الاعلام مباشرة للتهويل على الناس مسبقاً، وما تفوّه بعض اتباع النظام السوري من بث شائعات واكاذيب لتقليص حجم المشاركة الشعبية في هذه الذكرى، لجأ عناصر الحزب ومعهم عناصر من حركة “امل” التي تحتفظ بسجل اسود لدى اهالي العاصمة تأجيج الاقتتال المذهبي داخل بيروت منذ العام 1984 ولها باع طويل في هذا المجال بتنفيذ سلسلة اعتداءات منظمة على الاهالي الآمنين في منازلهم في محاولة مكشوفة لإجهاض كل النتائج السياسية المستقبلية ومفاعيل الحشد الشعبي الضخم في ذكرى 14 شباط الداعم لسياسة الاكثرية في استكمال مسيرة السيادة والاستقلال ومنع توظيفه في المفاوضات الجارية لتنفيذ المبادرة العربية لحل الازمة اللبنانية وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، حتى ولو اقتضى الامر إشعال نار الفتنة المذهبية، التي ما ينفك النظام السوري يسعى اليها من خلال استغلاله للعديد من العناصر المنضوية تحت لواء التنظيمين المذكورين وهو ما كاد يحصل يوم السبت الماضي، كما دلت الاحداث على ذلك·
لذلك، لم تحدث الاعتداءات التخريبية التي قامت بها عناصر من الحزب والحركة ومن “معهما”، ضد أهالي بيروت وممتلكاتهم طوال الايام الماضية، هكذا بالصدفة، أو بشكل عارض، بل كانت منظمة وعن سابق قصد وتصميم، وقد سبقتها تحرشات وتعديات مكشوفة وغير مبررة على مواطنين آمنين، لتأجيج الخلافات وإثارة الفتنة، من اجل التهويل على المواطنين المؤيدين للأكثرية ومنعهم من التعبير عن رأيهم وتوجهاتهم في المشاركة في ذكرى 14 شباط وبالتالي استثمار ضآلة هذه المشاركة في الصراع السياسي الدائر لمصلحة معارضة حزب الله والنظام السوري، ولكن هذا الهدف لم يتحقق ونجحت الأكثرية في إظهار مدى التأييد الشعبي الذي ماتزال تتمتع به، بعد حوالى أكثر من ثلاث سنوات من انطلاقتها، في حين أظهرت كثافة المشاركة المسيحية في هذه المناسبة، زيادة حجم الانكفاء المسيحي عن التيارات المنضوية تحت لواء المعارضة بشكل واضح للجميع·
يبقى أن الاصطدامات التي حصلت في بيروت يوم السبت الماضي بفعل ما أقدم عليه عناصر حزب الله وحركة “أمل” ضد أهالي بيروت، أظهرت بشكل جلي وواضح أن اللجوء الى الشارع كما يسعى الحزب لذلك، لن يحقق اهدافه السياسية التي يسعى اليها، بل يؤدي الى تأجيج الفتنة التي يندفع اليها غصباً عنه وبإيعاز من النظام السوري، ولا بد أن يأخذ العبرة مما حصل ويعيد قراءة نتائج ممارساته الخاطئة، لئلا يزيد من خسارته وخسارة اهالي المدينة من حوله وهذا لن يعوض على الاطلاق ولن يكون في مصلحة أي طرف كان مهما بلغت قوته·