لا للحرب المفتوحة: إنها خيار للإجهاز على لبنان
وسام سركيس
لن يكون بمقدور لبنان وساسته والرأي العام فيه التحجّج هذه المرّة بأنه ليس ثمّة من بينهم من سمع أو رأى.
جميعنا سمع ورأى واشتم بالنقل الحي المباشر رائحة «الحرب المفتوحة».
جميعنا سمع ورأى واشتم بالنقل الحي المباشر رائحة «الحرب المفتوحة».
بل لم تتوقف حفلة لوك هذه العبارة منذ أيام، وفتح المجال على مصراعيه لتأوّلها بأساليب شتّى، والمفاخرة بتكرارها يوم ووري الحاج عماد مغنية الثرى. تجتمع كل هذه التأويلات على المجاهرة بأن الرّعب الوجودي هو ما سيتم فرضه على اسرائيل من لدن تنظيم حزب الله الموالي لايران، وبأن تدمير الدولة العبرية قد أصبح في أمر اليوم، لا بسبب أن هذه الدولة قد احتلت أرضاً عربية جديدة، أو عمدت الى ترحيل جماعي فلسطيني جديد، وانما لكون الحاج عماد مغنية قد اغتيل في عاصمة الأمويين، فيما يرجّح أنه من تدبير أياد اسرائيلية. ولكن هل بالترجيح وحده يستصدر أمر العمليات بتدمير دولة بأسرها، مهما كان نوع العداء بيننا وبينها؟
لكن، مهلاً! أي دولة تهدّد «الحرب المفتوحة» بتدميرها؟ تحرص كل التأويلات التالية لخطاب زعيم حزب الله على التأكيد بأن الدولة المنوي فضّ أركانها هي الدولة الصهيونية. يجري البناء على أساس أن العدو هو جيش يمتلك أسباب الدولة لا دولة تمتلك جيشاً، فما أن يصاب الجيش باحباط معنوي وأخلاقي حتى تتلاشى العصبية فيه ويباشر بالتفتت والضمور، فينحل المجتمع الاستيطاني المقام من حوله، وتأخذ كل دولة أوروبية وأميركية حصّتها من اليهود التائهين، وتتساقط بلدات الجليل والمثلّث والنقب والضفة تباعاً بين أيدي حزب الله وحماس، وربّما كان ينبغي التحضير منذ الآن لاقتسام أرض فلسطين التاريخية أو الانتدابية بين هذين التنظيمين. ومن يدري، فربّما يتذكّر حزب الله حينها أن المسجد الأقصى من صنع بني أمية فيقرّر في حقّه ما ظلّ يتردّد غلاة حركة «أمناء جبل الهيكل» أو «غوش ايمونيم» في تنفيذه.
لكم حاول المرء أن يلتمس أعذاراً لحزب الله، ويقول، بأنه مهما كان الموقف الأخلاقي الواجب اعتماده بإزاء العمليات المنسوبة لعماد مغنية، والتي علينا أن ننتظر وقتاً طويلاً قبل تقرير صحة صلتها به أو اضعاف هذه الصلة، فانه ينبغي أخذ الظروف العاطفية بعين الاعتبار، وقراءة التوعّد بتدمير دولة كاسرائيل على أنه من باب العزاء أو التعبئة أو الحرب النفسية.
بيد أن التهديد بالحرب المفتوحة، جاء مترافقاً مع تصعيد حربي لافت في اللهجة تجاه المكونات الأخرى للمجتمع اللبناني، مع رفض اليد الممدودة من جانب النائب سعد الحريري، وهذه مؤشرات بأن الحرب المفتوحة التي ينوي حزب الله تدشين أعمالها ليست من النوع الذي يقتصر على الحرب النفسية، علماً بأن التنظيم المذكور ليس يفصل كثيراً بين الأساليب التي يخوض بها الحرب الميدانية وبين تلك التي يخوض بها الحرب النفسية، كما لم يعد يميّز كثيراً بين صراعه ضد مكونات المجتمع اللبناني الأخرى، وبين صراعه ضد الدولة العبرية، وهو يستقبل على شاشة مناره ظواهر ومظاهر تبتدىء بلعن اسرائيل كي تشن حملة على لبنان بحد ذاته، أو على السعودية بحد ذاتها.
انه هو هو المركب النفسي للحرب المفتوحة. فمما يظهر هذا المركب على حقيقته أن إعلام حزب الله عادة ما يتفاخر بـ»العروبة» باعتبارها الشرف والكرامة، لكن عنوان هذه العروبة الأصلية والأصيلة محصور بايران وجنوب العراق، في حين أنه يشنّع على «العرب»، باللفظة، باعتبارهم خاملين خانعين، لا شأن لهم بفارس الاشراق والعرفان والخير كلّه.
يزيد من كابوسية هذه الوجهة أن التنظيم الذي لم يكن معنياً أبداً بالوفاق مع أهل بيته قبل أن ينفّذ مغامرته في تموز (يوليو) 2006، ويجرّ على الطائفة الشيعية الويلات، ثم يلتهي بعد ذلك بتدمير أواصر الصلة بين الشيعة والسنة في لبنان، قد بات معنياً الآن، ليس أبداً بتقريب الوجهات بين المذاهب تحضيراً للجهاد، وانما بخوض الصراع على جبهتين، داخلية وخارجية، بل على جبهات ثلاث، ضد العالم، وضد اسرائيل، وضد بقية اللبنانيين.
فالحرب المفتوحة، تحت عنوان الثأر لعماد مغنية، هي في المقام الأول تسجيل فعل انتساب لتراث كامل من خطف الطائرات وخطف الرهائن ونحر الأبرياء واعدام المثقفين. ومن هذا التراث، ينهض من يريدها حرباً لتغيير العالم، بل حرباً على العالم.
ومن بامكانه الادعاء بأن اغتيال عماد مغنية، وليس اغتيال الشيخ أحمد ياسين للمثال لا للحصر، سيفتح الطريق السريعة لازالة دولة اسرائيل عن الخريطة، بامكانه القول، في حال اغتيل هو نفسه لاحقاً، بأن دماءه ستفتح الطريق الشرعي لقضم عشر ولايات من الولايات المتحدة الأميركية، وتسليمها للحرس الثوري الايراني وجيش المهدي وفيلق بدر.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا لو قرّر حزب الله، الاتكال على وجهة نظره في الوجود وفي الدنيا، فتعرّض للمصالح الحيوية الأميركية، أو لمصالح حيوية يهودية في الولايات المتحدة؟ هل نحن بحاجة الى 11 أيلول (سبتمبر) آخر كي يستريح عماد مغنية في مثواه؟
أما مبادرة زعيم حزب الله الى القول بأن اغتيال مغنية قد حصل خارج الساحة الطبيعية للصراع، فهذا بحد ذاته مفتاح لمساءلة أوسع: ماذا كان يفعل عماد مغنية في دمشق عشية اغتياله؟ ألا يكشف وجوده حيثما وجد، عن حقيقة «المحور السوري الايراني» الذي يكاد النائب ميشال عون يقتنع بأنه محض وهم وخرافة؟
لن يستطيع السيد حسن نصر الله ولا تنظيم حزب الله بعد خسارته الحاج عماد مغنية أن يخوضا حرباً وجودية على دولة اسرائيل. وليست هذه المشكلة. المشكلة أنه لن يستطيع أحد منع حزب الله «من تجريب حظّه» مرة أخرى، وبهذا الشعار التدميري الذي ليس بعده شعار.
لأجل ذلك، ليس يمكن اللبنانيين أن ينتظروا حلول الواقعة ثم يتصرفوا معها كما لو أنه لا دخل لهم، خاصة وأن من يقدم على التلويح بشكل مكرّر ثم بشكل منهجي بخيار تدمير دولة اسرائيل، باستطاعته أن يحاول فرض خيار الارهاب في قطاع غزة عنواناً لحسم الأمور لصالحه في لبنان. ولكن هل بالمستطاع التقدم شبراً واحداً في الطريق الجديدة أو في عين الرمانة بمقاييس توجيه الصواريخ الى حيفا والخضيرة؟
لأجل ذلك، على اللبنانيين في الوطن أو في المهجر التحرّك. واذا كان في لبنان حكومة معترف بها، فعليها قبل أي شيء آخر أن تستدعي هذا السفير اللبناني من طهران، وتستوضح منه تصريحاته الداعية هو أيضاً الى الحرب المفتوحة. هل أنه حقّاً سفير للبنان في ايران، أم أنه سفير لايران في سفارة لبنان بطهران؟ فإن لم يكن بمقدور الحكومة استدعاء سفيرها أو تبديله، فلا بأس حينها بأن تطلق هذه الحكومة صرخة «النجدة».
النجدة، النجدة! ان خيار 6 شباط (فبراير) 1984 الذي أودى بخيار 17 أيار (مايو) 1983 هو الآن خيار يتهدّد العالم أجمع، متقوّياً في الداخل اللبناني بعناصر قوة اكتسبها من تفاهم 6 شباط 2006 مع التيار العوني، مخاطبة غريزة «تحالف الأقليات».
النجدة، النجدة! فاذا لم يلتزم اللبنانيون الساحات في كل ليلة تحت شعار «لا لحرب الشوارع، ولا للحرب المفتوحة!» فان كل دعوة تالية «ضد الحرب» بشكل عام، وهي دعوة عادة ما يطلقها «أعداء العولمة» لمناصرة الارهاب، لن تكون الا بمثابة صب للزيت على النار.
هذا الخطر الوجودي الذي يلوّحه حزب الله وأنصاره بوجه اسرائيل، انما يلّوح بشكل محدق بوجه لبنان، تماماً مثلما أن «الأشلاء» التي جرى التلويح بها من قبل، كانت لإخافة اللبنانيين الآخرين. وكلما قرأنا عبارة «تدمير دولة اسرائيل»، الجيش والكيان والفكرة، هذه الأيام، كان علينا أن نفهم، وبالتأسيس على تجربة حافلة بتعطيل المؤسسات اللبنانية والتنكيل برجالاتها في السياسة والثقافة كما في الأمن، ان الحرب المفتوحة هي قبل كل شيء آخر حرب مركزة لأجل تدمير الدولة اللبنانية، أو احتمال الدولة اللبنانية.