#dfp #adsense

التاريخ يعيد نفسه… لكنه لا يرحم

حجم الخط

التاريخ يعيد نفسه… لكنه لا يرحم
دافيد عيسى

 

لا شك في أن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري شكل مفترقا حاسما في تاريخ لبنان الذي لم يشهد أحداثا متلاحقة مأساوية ودامية كتلك التي عاشها منذ 3 سنوات وحتى اليوم:


قرارات دولية بالجملة، اغتيالات وتفجيرات، اعتداءات إسرائيلية على الجنوبكان أقساها عدوان تموز في 2006، شلل اقتصادي وتدهور معيشي، جمود سياسي وانهيار الثقة بين الأطراف اللبنانيين والأدهى من كل ذلك عودة الخطاب الفئوي والتصعيدي بأبشع صوره وأقسى تجلياته.


المشعد في لبنان وشوارع بيروت يعيد إلى الأذهان اليوم صورا ظن اللبنانيون أن التجارب والخبرة والتعلم من الماضي محتها من ذاكرتهم رغم أنها لم تبارح وجدانهم الجماعي.


مسلحون في شوارع بيروت، اطلاق نار، تكسير وتخريب، شعارات سلبية تخفي أحقادا واحتقانا يكاد ينفجر ويأخذ في طريقه كل ما بنيناه بعرق الجبين دماء الشهداء وتضحيات اللبنانيين مسلمين ومسيحيين.


السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم… هل كان الرئيس الحريري يرضى بما يحصل اليوم؟ وهل استشهد هادي نصرالله ليرى من بعده رفاقه في حزب الله والمقاومة يتواجهون مع أبناء وطنهم وشركائهم في المصير الواحد؟ وهل دفع بشير الجميل حياته ليهاجر المسيحيون ويتركوا أرضهم قرفا ويأسا واشمئزازا من السياسيين وانقساماتهم ومصالحهم وعنادهم؟ وهل اغتيل كمال جنبلاط لتتحول الوصاية قدرا لا مفر منه والتدخلات خبزنا اليومي؟ وهل سالت دماء المفتي حسن خالد لتصبح الطريق الجديدة خط تماس مع الضاحية؟


لا، لم يستشهد جبران وباسل وسمير وجورج ووليد وبيار وفرنسوا ووسام وأنطوان عبثا، هل نحول ذكراهم وشهادتهم إلى محطة سنوية للبكاء والتظاهر والتحدي أم للعبرة والعمل ونيل الاستقلال باستحقاق وجدارة؟


في بيروت اليوم اشكالات صغيرة تبشر بحروب كبيرة تخفي أهدافا ومخططات كبيرة.
حانت لحظة الحقيقة ودقت ساعة الاستحقاق. الملف اللبناني بتشعباته الدقيقة والخطيرة من رئاسة الجمهورية إلى سلاح حزب الله إلى المحكمة الدولية إلى القوات الدولية في الجنوب إلى الحرب الباردة التي تكاد تصبح ساخنة ومتفجرة بين 14 آذار و8 آذار، كلها عناصر خطر وعوامل تفجير إذا لم يتم تدارك الوضع بانتخاب رئيس جمهورية كبداية على أن تتم مناقشة كل الأمور الخلافية لاحقا حتى ولو اقتضى الأمر تنازلات مؤلمة من الجانبين لا بد منها لتجنيب لبنان الكأس المرّة التي لم ينس اللبنانيون بعد علقمها ومرارتها.


حزب الله أمام خيارين أحلاهما مرّ

 

اغتيال المسؤول في حزب الله عماد مغنية جاء ليصب الزيت على النار، ومهما قيل في الرجل وأسباب اغتياله فإن الواضح من توقيت اغتياله ومكان استهدافه والظروف الإقليمية والدولية الحساسة المحيطة به، إن هذا الاغتيال لم يكن ضربة معزولة في الزمان والمكان، بل هو منعطف خطير في مسار الأزمة اللبنانية وتشعباتها الاسرائيلية-الايرانية-السورية-الأميركية.


من البديهي القول إن الاغتيال وضع حزب الله أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإذا ردّ على الاغتيال يكون جرّ على لبنان وعلى نفسه عواقب كبيرة حتى ولو صمد بوجه إسرائيل، إلا أن الخطورة في أي ردّ محتمل لحزب الله أن ساحة المعركة الخارجية التي تريد إسرائيل جرها إليه ستحوله إلى منظمة إرهابية وليس إلى حركة مقاومة كما هو حاصل اليوم، وسيتكتل العالم كله حوله ويعزله ويحاصره ويعامله كالقاعدة ويجعل قادته وكوادره وأركانه هدفا مباحا للاغتيالات العلنية ومن دون سابق إنذار من قبل إسرائيل التي تقوم بهذا الأمر منذ سنوات في الضفة الغربية وغزة ولا من يحاسبها.


أما إذا لم يرد فإن ذلك سينعكس على قدرة الردع التي يمتلك وعلى هيبته ومكانته بين المقاومين في دنيا العرب والاسلام وفي لبنان تحديدا، وفي رهان اللبنانيين ويقينهم. إن الحزب سيتحلى بضبط النفس ورباطة الجأش التي عودنا عليها وسيضع مصلحة لبنان فوق الاعتبارات المصلحية لأن أي حرب جديدة ضد لبنان ستطيح بكل شيء ولاسيما بالثبات الاقتصادي والصمود المالي الذي ما زال ورقة قوية في يد لبنان وشعبه وخصوصا في ظل حاكمية مصرف لبنان التي يشغلها رجل يعتبر اليوم صمام الأمان وخط الدفاع الأخير عن لبنان عنيت به رياض سلامه.


الأميركيون في مأزق في العراق
والايرانيون يواجهون متاعب ومصاعب في برنامجهم النووي.


السوريون غير مرتاحين للمحكمة الدوليون والإسرائيليون يريدون على حماس والسعوديون لا يستغيسون عودة النفوذ السوري إلى لبنان والسوري يعتبر أن السعودي حل مكانه. أما الرئيس الأميركي جورج بوش فيعلن جهارا وعلانية في جولته العربية منذ شهر أنه يجب دفع تعويضات للاجئين الفلسطينيين حيث هم في الدول العربية ليبقوا في مكانهم وبمعنى آخر هو يدعو إلى التوطين والانتهاء من مشكلة الفلسطينيين الذين كانت قضيتهم وسلاحهم وفلتانهم في لبنان من الأسباب المباشرة والرئيسة لاندلاع الحرب في لبنان.


أما الفرنسيون فهم منكفئون ويائسون من الوضع في لبنان بعد محاولة فاشلة ومبادرة لم تنجح من قبلهم لإجراء انتخابات رئاسية. اختلف الفرنسيون مع الأميركيين حول العراق في بداية الاجتياح وسقوط بغداد العام 2003 ثم عادوا وتصالحوا مع الأميركيين وكانت الثمرة القرار 1559 وجاء اغتيال الرئيس الحريري بعدها بأشهر ليرفع الملف الفرنسي – الأميركي الجديد بزخم كان يفتقده وشدّدت باريس وواشنطن على تحقيق دولي لكشف الجريمة ومحاسبة الجناة، ورغم ذهاب الرئيس جاك شيراك ومجيء نيكولا ساركوزي فإن الاندفاعة الفرنسية تجاه لبنان ما زالت قوية رغم أنها فقدت شيئا من زخمها بعد يأس باريس من دمشق وعقبها من إيران.


باختصار نحن اليوم أمام تطور جديد يتمثل بانتقال لبنان من حال الفراغ المنظم إلى وضعية الفراغ المدمّر لنصل – لا سمح الله – إلى ما يشبه القنبلة الفراغية التي تمتص أثناء انفجارها الاوكسيجين وتحوله قوة نارية مخيفة تهدم ما يقف في طريقها وهذا ما نخشى منه ونصلي لعدم حصوله.


يقول المفكر الفرنسي والكاتب والخبير في الشؤون الدبلوماسية ريمون آرون أن التاريخ يتكرّر لأن ذاكرة الشعوب ضعيفة.
هل نكون من بين هذه الشعوب التي لم تتعلم ولم تتعظ فتموت مرتين؟
  

 

 

المصدر:
صدى البلد

خبر عاجل