تمرين المبادرات واستحقاق المحكمة
وليد شقير
وليد شقير
لم يعد باستطاعة بعض المعارضين اللبنانيين أن يلجأوا الى مطالبة الوسطاء العرب بالسعي الى مصالحة عربية، أو الى اتفاق سوري – سعودي، من أجل تبرير عدم قدرة اللبنانيين على الاتفاق ومن أجل الإيحاء لهؤلاء الوسطاء بأن المشكلة ليست بين اللبنانيين، بل بين العرب، الذين متى تصالحوا وتوافقوا سهُل على اللبنانيين إنجاز المصالحة بينهم.
فرئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي كان يفاوض باسم المعارضة، دأب على مطالبة الوسطاء، ومنهم الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، بأن يلجأوا الى معادلة سين – سين قاصداً السعودية وسورية. وكان الوسطاء يفسرون كلامه أحياناً على أنه نوع من التسليم من جانبه بأن ليس في يده حيلة وأن الأمر أكبر منه وأنه لو كان يتعلق به لكان الأمر انتهى.
وفي المقابل لم يعد ينفع قول المسؤولين السوريين للوسطاء الذين توافدوا على دمشق لمطالبتها بتسهيل حل الأزمة وإنهاء الفراغ الرئاسي اللبناني، ان الأمر في يد المعارضة وان المطلوب من الأمين العام موسى أن يحاورها، وأن يشجع الأكثرية والمعارضة على مخرج لبناني لتطبيق المبادرة العربية، فالعديد من الوسطاء، خصوصاً فرنسا، اكتشفوا أن المطالب التي كانت تطرحها المعارضة، كانت تردهم، قبل أن يستمعوا اليها في بيروت، من دمشق الى باريس، فيجدون أن ما يطرحه عليهم قادة 8 آذار مطابق لما يطرحه المسؤولون السوريون.
لقد بلغ التأزم في لبنان، والمحاولات المتواصلة من أجل تليين مواقف سورية فيه، مرحلة فقدان الأمل. ولم تكن المبادرات الأوروبية التي انتهت الى تكليف فرنسا، والعربية التي تولتها الجامعة العربية، تتم من دون استبعاد الدور السوري الرئيس في الأزمة، ولم تكن تنطلق من سذاجة الاعتقاد بأن الحلول، خصوصاً بعد حصول الفراغ في الرئاسة اللبنانية، قابلة للتطبيق بقرار من الفرقاء اللبنانيين الحلفاء لدمشق وحدهم، من دونها، بل انها مبادرات كانت تتكرر مع الأمل بأن تدفع الحوافز والإغراءات بالانفتاح عليها، القيادة السورية الى تسليف الدول الأوروبية في لبنان، والى التجاوب مع الجهود العربية.
إلا أن دمشق لم تكن، وليست في هذا الوارد، على رغم إيحاءاتها بالاستعداد للاستجابة للانفتاح الأوروبي والعربي، وتحديداً السعودي عليها، والذي سرعان ما يتحول الى عملية إغراق للدول الكبرى وللدول العربية في التفاصيل اللبنانية الداخلية وعملية تبادل الأدوار في طرح الشروط التي تبعد الحلول بدلاً من أن تقربها.
وإذا كانت الديبلوماسية الفرنسية التي جددت الاتصالات مع دمشق، بررت محاولتها بوصفها «تمريناً» ستكمله الى الآخر قبل استخلاص النتائج منه، وهو ما فعلته حين اتهم الرئيس نيكولا ساركوزي سورية بالعرقلة، فإن كلاً من الدول المعنية قام بتمرينه الخاص مع دمشق وخرج بالاستنتاج نفسه. حتى ان المملكة العربية السعودية تجنبت القيام بتمرينها الديبلوماسي الخاص حتى النهاية، تفادياً لتداعياته على العلاقات العربية – العربية، لأنها كانت تدرك سلفاً أن النتيجة ستكون سلبية، وستؤدي الى الاحتكاك غير المسبوق الذي تمر به العلاقة بين البلدين في الظروف الراهنة.
لقد شملت الوعود لدمشق، أن الدول النافذة مستعدة للعب دور في التوصل الى «تسويات ما» في موضوع أحكام المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وصولاً الى الإيحاء بإمكان التوصل الى صفقة على طريقة لوكربي، طالما ان موضوع المحكمة هو الأساس في ما يهم الجانب السوري. لكن واقع الحال ان دمشق، ليست في هذا الوارد. فهي لا تثق بأن فرنسا أو مصر أو السعودية، قادرة على أي صفقة معها في هذا المجال وان الاتفاق يجب أن يتم مع الولايات المتحدة الأميركية، غير المستعدة لفتح باب الحوار مع سورية في ظل رئاسة جورج بوش. وهي لذلك تنتظر الانتخابات الرئاسية الأميركية. وفي الانتظار لا بأس في أن يبقى لبنان معلّقاً…
بل أن دمشق وحلفاءها اللبنانيين ينوون تنفيذ «قفزة جديدة» محلية وإقليمية في الإمساك بالساحة اللبنانية أكثر، قبيل أو بالتزامن مع إنشاء المحكمة عملياً في حزيران (يونيو) المقبل