مقاطعة قمة دمشق خطوة ولكنها جزئية
علي حماده
بات واضحا ان سلوك النظام السوري في كل من لبنان والعراق وفلسطين، سيتسبب في اقدام عدد من الدول العربية الكبرى على مقاطعة القمة العربية المقررة في دمشق الشهر المقبل. وعندما تقاطع دول من حجم مصر والسعودية ومعظم الخليج والاردن والمغرب قمة عربية، فمعنى ذلك ان القمة ماتت قبل ان تبدأ، ويصبح الموقف السوري الذي جرى تسريبه في الايام الاخيرة عن عقد القمة بمن حضر خطوة من دون اي قيمة. فالمقاطعة العربية التي لا سابق لها بهذا الشكل هي الحدث لكونها تعكس بوضوح الدرك الذي وصلت اليه الامور بين النظام السوري والنظام العربي الرسمي، وتبين ملامح المرحلة المقبلة التي ستتميز بمواجهة عربية شبه شاملة مع دمشق في اكثر من ملف تعتبر الشرعية العربية فيها ان سوريا تخطت الخطوط الحمر المقبولة. فالانقلاب في غزة، ومحاولة الانقلاب المستمرة في لبنان، ونشر الارهاب في العراق، وفتح الابواب كاملة امام اخطر اختراق ايراني متعدد الوجه لقلب المشرق العربي منذ مئات السنين، كلها عوامل تدفع الشرعية العربية المتثائبة تقليديا الى الاستفاقة من السبات العميق، وإلى تحمل مسوؤلياتها، وإن مرغمة، لمواجهة نتائج الاختراق الايراني الخطر باستتباعه دولة مركزية مثل سوريا.
بالطبع لا تزال ثمة مدرستان عربيتان في مقاربة العلاقة مع نظام نظام البعث الدمشقي، الاولى وهي الغالبة حتى وقت قريب تقول بعدم الصدام مع دمشق الى حد يمكن ان يدفعها اكثر فاكثر في احضان طهران، فضلا عن ذهابها ابعد في السلوك الارهابي على تنوعه. وتعتبر هذه المدرسة ان حافظ الاسد بنى نظاما “مركنتيليا” من الدرجة الاولى يحسن ايجاد نقاط تقاطع في المصالح مع اي كان في العالم بما فيها اسرائيل نفسها التي لا تزال حتى هذه اللحظة ترفع ورقة “فيتو” قاطعة في وجه المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة حماية للنظام السوري لاعتبارات مفهومة ومعروفة.
اما المدرسة الثانية في مقاربة النظام السوري وهي للمرة الاولى في طور التشكل الجدي بعدما بلغت الخيبة ذروتها في السنوات الثلاث الاخيرة التي بدأت مع قرار التمديد لاميل لحود واغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولما تنته حتى اليوم على المسارح اللبنانية الفلسطينية العراقية. والمدرسة المشار اليها هنا تعتبر ان التعامل مع دمشق ينبغي ان يمر بفرض موازين قوة جديدة في اللعبة، ومحاصرة النظام الى حدود خنقه، ومواجهة “الفيتو الاسرائيلي” في كل مكان، لان القول ان النظام في دمشق هو ضابط ايقاع للمنظمات الارهابية المتنوعة المقيمة تحت جناحيه يحد من انتشارها هو كلام يجافي الحقيقة التي تشير مع مرور السنين الى ان النظام هو ولادة المنظمات الارهابية المتعددة الجنسية، وأحد منابعها التي تتطلب تجفيفا عاجلا، كما انه ذهب بعيدا في الانخراط في عملية الاختراق الايرانية الى حد يستحيل معه ان يقوم باستدارة جدية تقطع هذا الجسر الواصل الى قلب المشرق العربي.
بين المدرستين تقف الشرعية العربية بعواصمها الكبرى اليوم امام مأزق اتخاذ خيارات كبيرة وتاريخية. فهي اقتنعت اخيرا ان نظام دمشق ميؤوس منه، وان قضية لبنان هي الوجه الآخر لقضية العرب جميعا في مواجهة اخطر تحد تاريخي للعرب بعد التحدي الاسرائيلي، خصوصا ان التحدي الايراني عبر البوابة السورية يمس ما هو ابعد من مسألة الارض. انه يمس التكوين الاهلي، الاجتماعي، والسياسي لكل كيان عربي من الخليج الى المحيط. انه تحد وجودي يمس الذات قبل اي شيء آخر. من هنا الاولوية المطلقة لقيام سياسة عربية حازمة تنزع عنها مظاهر الخجل او الخوف ازء هذا التحدي. او نسقط جميعا في قبضة احمدي نجاد وامثاله عندنا…
و خلاصة القول ان نسف قمة دمشق المقبلة خطوة جيدة في الاتجاه الصحيح، ولكنها تبقى مجرد خطوة اولى ومحدودة التأثير في نظام يرى اولوياته في مكان آخر: في لبنان، وفلسطين، والعراق… وفي بقاء النظام الوراثي جاثما على صدر الانسان السوري ايا تكن الاثمان.
المطلوب سياسات غير تقليدية…