… في «الحرب المفتوحة» وتوابعها
حازم صاغيّة
حازم صاغيّة
الصحيح في دعوة «الحرب المفتوحة» ليس جديداً، والجديد فيها ليس صحيحاً.
فـ «حربٌ مفتوحة» تلك التي اندلعت أواخر الستينات وامتدّت الى أوائل السبعينات، وكان ذروتها خطف «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، وشعارها يومذاك «وراء العدوّ في كلّ مكان»، طائراتٍ مدنيّة أُجبرت على الهبوط في «مطار الثورة» بالأردن. و«حربٌ مفتوحة» تلك التي سجّلتها أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، بين إسرائيل ومنظّمة التحرير الفلسطينيّة، كما بين الأخيرة والعراق، ولوهلات متقطّعة بينها وبين سورية وليبيا، جاعلةً عواصم العالم ومدنه مسرحاً لها. يومها تُوّجت المواجهة، وقد تناسلت مواجهاتٍ، بمحاولة اغتيال شلومو أرغوف، السفير الإسرائيليّ في لندن. كذلك، ما حصل في 11/9 الشهير، يمكن عدّه أوج «حرب مفتوحة» في قتال «الأعداء الصليبيّين واليهود» في كلّ مكان، على ما دعا بن لادن والظواهريّ.
كلّ واحدة من «الحروب المفتوحة» تلك كانت ترتدّ على شعوبنا ومنطقتنا بالويلات: من حرب أهليّة في الأردن الى غزو إسرائيليّ للبنان الى ما يعيشه العرب والمسلمون راهناً في بلدانهم وفي المهاجر الغربيّة.
أما ما قد يجدّ من «حرب مفتوحة» نحن موعودون بها فيفتقر الى مصر وباقي الدول العربيّة الكبرى افتقاره الى تماهي الكثرة الكاثرة من سكّان العالم العربيّ معها، لأسباب مذهبيّة يشي بها اليوم الوضعان اللبنانيّ والكويتيّ، ناهيك عن زوال الاتّحاد السوفياتيّ، مصدرنا في الحروب. وهذا جميعاً ما يُعوّل على إيران لتعويضه!، فيما الجديد الآخر الذي يجسّده انتشار وسائل الدمار فتطوّرٌ يجب أن يجفل له كلّ قلب مأمور بعقل.
لكن المشكلة التحتيّة مع دعاة «الحرب المفتوحة» أنهم لا يملكون أيّاً من المقاييس التي بها تقاس الأمور: فلا الاقتصاد ولا الاجتماع ولا المؤسّسات ولا التعليم ولا حياة الأفراد وموتهم مما يُحتسَب في قرار الحرب أو في محاكمة نتائجها. وهو ما يقوم على تلخيص من صنف عدميّ للبشر وللمجتمعات سواء بسواء، فكأنما هناك ثأر على ما أنجزته الحداثة عندما جعلت حياة الأفراد قيمة بذاتها، وآراءهم مصدراً للقرار، أو حين أدرجت الكتل السكانيّة على درب الصيرورة أوطاناً ومجتمعات. فـ «الحرب المفتوحة» تحيلنا مقاومين فحسب، مقاومين غير مطروح عليهم، في هذه الحياة الدنيا، سوى أن… يقاوموا. ولا بأس، في سبيل ذلك، أن تكون «الحرب المفتوحة» مفتوحة على الكيماويّ والجرثوميّ. المهمّ أن نقاوم.
ومطالبة الحدّ الأقصى تلك، من غير استشارة البشر ودولهم في شأن الحياة والموت، تترافق مع تدنٍّ غير مسبوق في الإجماع بصددها، يعبّر عن ذلك ازدهار تهم العمالة ولغة التخوين كما يعبّر العيش، فرادى وجماعات، على تخوم الحرب الأهليّة. وما المقارنة بين الحدّ الأقصى من المطالب والحدّ الأدنى من الإجماع سوى برهان على أن «الحرب المفتوحة» بنت فشل يُراد الهروب منه بإلحاح وعلى عجل. فليس بلا دلالة أن النُذُر الممانعة تتجمّع على شكل إخلال بالحدود، في لبنان وفي غزّة، وفي إيران وسوريّة باتّجاه العراق وفي العراق باتّجاههما (… وفي السودان، الإسلاميّ الحكم، باتّجاه تشاد على صهوة المحنة الدارفوريّة).
فكأنّما الأمر، في آخر المطاف، عجز عن تدبّر الأمور داخل أُطر الدول وفي التعامل مع مسائل المجتمعات، بحيث يناط بالخلاء الثوريّ الرحيب إخراج المتورّطين من ورطتهم. فيُصار، والحال هذه، الى توريط الكلّ، شعوباً ومجتمعات، من أجل أن تنجو بضعة أنظمة ومنظّمات.
وهي مأساة أبعد من حدث هناك وحدث هنا، مهما كان مهمّاً ذاك الحدث.