#dfp #adsense

14 آذار: الإعلام والمال والسلاح

حجم الخط

14 آذار: الإعلام والمال والسلاح
فادي شامية

 

الصراع القاسي الذي يدور في لبنان منذ آذار 2005 له أدواته التي يسعى كل فريق لتعزيزها. الإعلام والمال، وحديثاً السلاح، أدوات فاعلة في هذا الصراع.
الإعلام


يلعب الإعلام اليوم دوراً كبيراً في “الحرب الباردة” التي يرزح تحتها الوضع اللبناني. لقد باتت الوظيفة التعبوية مقدمة على الرسالة الإخبارية في معظم الوسائل الإعلامية المملوكة أصلاً لجهات سياسية. النظرة الفاحصة لـ “ميول” الوسائل الإعلامية المرئية اليوم تظهر أن فريق 8 آذار يملك العدد الأكبر منها. قناة أخبار المستقبل تبدو وحيدة في الميدان، ومع ذلك فهي “محرّمة” لدى موزعي الستلايت في الضاحية الجنوبية وعدد واسع من مناطق الجنوب، ولدى بعض الموزعين تعرض استنساباً، فتحجب وقت المشاكل أو عندما يطل النائب سعد الحريري عليها.


المحطات الأخرى مملوكة لـ “التيار الوطني الحر” ولحركة أمل ولـ”حزب الله”، والتموضع السياسي لهذه القوى معروف، فيما يكفي محطة الجديد “التوجيه السياسي” المطول أول كل نشرة للدلالة إلى المدى المعارض البعيد في المحطة. ثمة من يحاول نسبة “المؤسسة اللبنانية للإرسال” لإعلام “14 آذار” لكن متابعة نشراتها الإخبارية لا تظهر ذلك، وإذا كانت بعض البرامج السياسية تعطي هذا الانطباع، فإن محطة تلغي مقابلة للدكتور سمير جعجع لا يمكن نسبتها إلى فريقه.


في الإعلام المسموع الوضع مشابه. وحدها إذاعة “الشرق” في مواجهة كم من الإذاعات المرخصة وغير المرخصة التي تسعى إلى التعبئة و”اجترار” ما كتبته الصحف التابعة لخطها السياسي. أما الإعلام المكتوب فهو منقسم بالتساوي تقريباً بين الفريقين. صحيفة “المستقبل” واضحة في خطها السياسي، تشاركها فيه عدة صحف، وبالمقابل هناك صحف تتبنى خطاً سياسياً معاكساً، بعضها يدافع عنه بشراسة تصل إلى حد اختلاق الأخبار أحياناً. ما يبدو جلياً أن فريق 14 آذار لا يملك ماكينة إعلامية تفوق الفريق الآخر، بل العكس هو الصحيح.


اللافت أكثر في المجال الإعلامي ازدياد الابتعاد عن الموضوعية. على سبيل المثال لا الحصر، فقد أعلن إعلام “المعارضة” وقياداتها أنهم أكثرية شعبية بناء على حشد الأول من كانون الأول 2006، المقدر بمليون ونصف المليون حسب وكالة الصحافة الفرنسية. الوكالة نفسها قدّرت حشد 14 شباط 2008 بمليون ونصف، الأمر الذي لم يرق لهذه الوسائل التي قدّرت الأعداد بحدود المئة ألف. وبغض النظر عن دقة العدد، فطالما أن مصدر التعداد واحد، فإن الموضوعية تقتضي أن الحشدين متقاربان، سواء كان كل منهما مليوناً ونصف المليون أو مئة ألف، ولا يجوز مهنياً تثبيت رقم ورفض آخر تبعاً للمصلحة السياسية.


المال


دور المال في السياسة قديم. استخدامه لم يقتصر على فريق واحد، وكان من الطبيعي أن يتعزز حضوره في الأزمة الحالية، باعتبار أن المال عصب أي حزب أو تيار أو تحرك سياسي. لكن الحجم المالي لآل الحريري سهّل على معارضيهم الاتهام، فيما الحقيقة أن الكتلة الأكبر من المال السياسي الذي يصرف في لبنان هي تلك المعروفة باسم المال النظيف، والتي ينفقها “حزب الله” على جمهوره وحلفائه وأتباعه. الأرقام الشهرية المعروفة لما يتقاضاه حلفاء وأتباع “حزب الله” من الشخصيات والواجهات السياسية والقوى الحزبية، من المال الذي يأتي بشنط دبلوماسية من إيران، يؤشر إلى ميزانية مذهلة. حجم الأموال التي تصرف في شراء الأراضي والعقارات، وإنشاء المؤسسات يقاس بميزانيات الدول لا الأحزاب.
الإنصاف يقتضي أن توضع الأمور بجانب بعضها للمقارنة والتحليل، فلا يصح وصف تبرع النائب سعد الحريري بمبلغ 52 مليون دولار لإنماء مناطق الشمال بأنه استخدام سياسي للمال، ولا يقال الأمر عينه عندما يوزع “حزب الله” في “مناطقه” ما بين 300 إلى 400 مليون دولار بعد حرب تموز.


السلاح


مع تفاقم الأزمة احتل السلاح موقعه بين أدوات الصراع، وبدأت الجماهير تحاكي بعضها في ظاهرة مرضية عانى منها اللبنانيون زمن الحرب الأهلية. ما فعله أهل طرابلس أثناء المقابلة التلفزيونية الأخيرة للنائب سعد الحريري ليس إلا محاكاة لما يفعله أهل الضاحية الجنوبية باستمرار مع كل ظهور للسيد حسن نصر الله. ظهور السلاح في تشييع الرائد وسام عيد كظهوره في تشييع ضحايا أحداث مار مخايل. بيوت اللبنانيين في معظمها تحوي سلاحاً فردياً وشعور الجماعات اللبنانية بالخوف من بعضها البعض هو الذي يضعه في غير مكانه الصحيح. مرة جديدة يقتضي الانصاف أن يُنظر إلى كل الحالات، لا إلى بعضها بشأن الاستخدام غير المنظم للسلاح.


ثمة شق منظم في استخدام السلاح هو الأهم. لقد قيل الكثير عن تدريبات لدى فريقي 8 و14 آذار، لكن ثمة أمور أكيدة، وهي أن “حزب الله” يملك وحده ترسانة مخيفة من السلاح، الفردي وغير الفردي، وأنه يوزّعه على أنصاره وحلفائه في الداخل، وأنه يقيم معسكرات تدريب في غير مكان في لبنان وسوريا، وأنه يستقوي، بهيبة السلاح على الأقل، ليثبّت اعتصامه وليفرض إرادته على بعض مناطق بيروت، وأنه يتهم فريق 14 آذار أو بعضه بالعمالة لـ “إسرائيل”، أي انه يجعله بمصافها لجهة تحليل الدم.


أخطر من ذلك كله تسليح جماعات وتدريبها لضرب الخطوط الخلفية للخصم السياسي. هذا الأمر جارٍ بشدة في الساحتين السنية والدرزية، وكلام النائب ميشال عون عن ضرورة السلاح لحماية مراكز التيار الموجودة في المناطق المسيحية ما زال حاضراً. في هذا المجال ثمة واقعة يعرفها أهالي إقليم الخروب جيداً، وهي تسليح “حزب الله” وتدريبه لمجموعة من الشباب تقارب السبعين رشحهم النائب السابق زاهر الخطيب. هؤلاء أخذوا السلاح والتدريب وقطعوا الصلة بمن جنّدهم، ويحاول الحزب حالياً استعادة السلاح على الأقل بعد فشل رهانه على الشباب. إن الضغط “المسلح” والمستمر على جماهير “تيار المستقبل” على وجه التحديد ولّد “حالات دفاع” و”مكاتب حماية”، مما يصفه إعلام المعارضة اليوم بـ”ميليشيات”، غاضاً الطرف بالوقت عينه عن كل الممارسات التي يقوم بها فريقه.


نحو ضبط لأدوات الصراع


لا يبدو في أفق الصراع في لبنان أنه قادم على تسوية قريبة، لكن لا مصلحة لأحد بوقوع حرب أهلية جديدة، والمطلوب هو هدنة أو تنظيم للصراع من خلال ضبط أدواته. التبريد الإعلامي عامل أساس لتحقيق ذلك، وكما قال نصر بن سيّار فإن الحرب أولها كلامُ ـ أي إعلامُ ـ. اليوم لا مصلحة بمزيد من التصعيد الإعلامي، فوسط الفرز الحاد بات التحكم الإخباري عاجزاً عن استقطاب الآخر، وحسبه أنه يشد عصب الجماعة، وقد جاوز هذا الشد المدى.


في مسألة المال السياسي بات اللعب في الصفوف الخلفية للفريق الآخر ونقل المعركة إلى ساحته نذير فتنة، لن تبقى حيث تبدأ. والإنفاق الكثيف على استقطاب الأنصار لدى الآخر لعبة استنفدت أغراضها. أما السلاح فخطر كله، ووحده الجيش والأجهزة الأمنية يحق لها استخدامه، ومن الجنون التشكيك بها ونعت بعضها بالمليشيا.


المطلوب هو الحد من اندفاعة الصراع نحو الحرب، والوضع إذا لم ينكمش اليوم ينفلت غداً، وفي حال حدث ذلك، فإن أوان الحديث عن ضبط أدواته يكون قد فات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل