#adsense

باب الحارة

حجم الخط

باب الحارة

الأب ميشال سبع

 

في زمن العثمانيين، اعتمد الولاة على تراتبية في هيكلة القيادة لتسيير عملية ضبط أمرين: الأول هو أمني والثاني هو الضرائبي، ومن أجل هذا طوروا القيادة المهنية على مستوى المهن نفسها بحيث صار هناك شيخ المهنة ودعوه (شيخ الكار) الذي له الحق في عدة أمور منها ضبط تسعيرة السلعة المختصة بالمهنة، والثانية تصنيف المعلم الذي من أجل ان يستحق اللقب يخضع لامتحان في صناعة السلعة، والثالثة هي له حق القضاء الفصل في مخالفة التسعيرة أو نوع الصنف السلعي أو الدفاع عن حقوق الصانع أو الاجير، ولهذا الشيخ ان يعاونه الأقدم من المعلمين في الصنعة. وقد ضبطت الأسواق على هذا الأساس ومن أجل حصر الضبط وضعت كل السلع من الصنف الواحد في سوق واحدة فصار هناك سوق الصاغة وسوق الحرير وسوق الهال وسوق النجارة وسوق الماشية وسوق اللحامين الخ…،

 

وفي موازاة ذلك، كان الشق الأمني حيث قسمت المدينة إلى قسمين الأول هو القلعة حيث المقر الرسمي للوالي ومن ثم استعيض عنه بالسراي أي مقر الحاكم أو الوالي، والقسم الثاني هو الحارة أي الأزقة السكنية التي تتمحور حول القلعة أو السراي وهذه كانت عبارة عن مساحة سكنية مستطيلة مع بعض المتفرعات المغلقة بحيث يكون له باب واحد كبير مسؤول عن فتحه وإغلاقه مأمور يأتمر بشيخ الحارة، والشيخ هذا هو أشبه بمختار الحارة اليوم إدارياً لكن كانت له امتيازات عدة فهو العارف بكل أبناء الحارة وتحركاتهم ولا يمكن لوافد أن يسكن الحارة إلا بمعرفته، وهو الذي يقرر إيجارات البيوت وهو الذي يحلّ النزاعات وهو الذي يسلم المذنبين والفارين من وجه العدالة للدرك وهو الذي يحصي الشبان الذين يجب أن يقوموا بالخدمة العسكرية الإلزامية ويسلمهم للوالي.


وكانت للحارة ميزاتها، بحيث لها عوائدها وتراثها مما جعل الحارات تأخذ أحياناً كثيرة شكلاً اتنياً وطائفياً فهناك حارة اليهود وحارة النصارى وحارة الأكراد وإذا ازدادت اأعداد هؤلاء صارت لهم حارات فللنصارى أكثر من حارة بحسب طوائفهم أحياناً وبحسب تواجد معابدهم فهناك حارة الكاثوليك وحارة الروم كما هناك حارة الصليب وحارة الخضر الخ… كذلك كانت حارات المسلمين بحسب النافذين منهم فهناك حارة السليمانية (نسبة إلى سليمان بك) وحارة السيّاد وحارة أشرفية (نسبة إلى أشرف بك) وحارة الزيدانية (نسبة إلى زيدان بك) ونادراً ما كان يقع مشكل في الحارة دون معالجة سريعة من شيخ الحارة الذي كان له أن يستعين بالقبضايات الذين يأتمرون به أو إذا اضطر الأمر وكان هناك تمرد عليه أن يستعين (بالجاندرما) أي الدرك الذين يسارعون لتنفيذ أوامره بسرعة، ولا يتغيّر شيخ الحارة إلا بإرادة الوالي. وعندما كان يحدث تعدٍ من أهل حارة على أخرى يسارع شيخا الحارة إلى الاجتماع أو يستدعيهما الوالي ويطلب منهما تسليم المعتدي في حال صار تلكؤ أو وقوف كل شيخ لمناصرة جماعته ان يعزل الوالي الشيخين ويتم تعيين بدائل عنهما.


هذه التركيبة ظلت قروناً معتمدة في العهد الثماني في المدن في حين أن القرى كان لها شيء قريب من هذا ولو على شيء من الاختلاف، ويظهر ان الناس في المدن ما زالوا يحنّون إلى أيام الحارات حيث الالفة والتراث والعادات والتقاليد والأمن والحرية النسبية كانت سائدة والدليل على ذلك غرام الناس بمسلسل (باب الحارة) الذي عرض على التلفزيون ولقي ترحيباً وتعلقاً شديدين من المشاهدين على امتداد الوطن العربي وخصوصاً في المدن ذات الخصوصية في تلك التركيبة.


مع نشوء الوطن وتداخل المدنية وانتهاء عهد شيوخ الحارات ودخول الحياة العصرية والانفتاح في تركيبة الوطن الجديدة لم يعد هناك زعماء احياء بل صار كل مواطن له مرجعية موحدة هي القضاء والمخفر وصارت المرجعية السياسية أو الروحية اخف من ذي قبل لأن الأعداد كبرت والبيوت تداخلت ولم تعد هناك أحياء خاصة بمذهب معين أو دين معين. في بيروت اليوم ظاهرة أقل ما يُقال فيها انها حالة تخلّف عن ركب الحضارة وعودة إلى زمن الزواريب والحارات بحيث عاد قبضايات الحارة يظهرون من جديد وعادت المذهبية تتجمع لتفرض سيطرتها وهذا يعني أمرين: إما ان هناك رغبة ما عند هؤلاء لإضعاف الدولة بحيث يصبح لهم وجود وسيطرة على مناطق صغيرة يحكمون قبضتهم على ساكنيها ليعوضوا على هامشيتهم في حياتهم الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية وإما أن الدولة ضعيفة حقاً وبالتالي فإن تداعيات هذا الضعف هو الذي يعود بها القهقرى إلى ما يجري.


ولكن ما الذي يجعل الدولة تقوم أوليست هي المؤسسات الرسمية بالدولة؟ ومن هي المؤسسات الرسمية اليست هي المشكلة من النسيج الريادي والقيادي اللبناني وبالتالي أوليست القيادات اللبنانية هي المسؤولة عن اهتراء نفسها؟ أوليس الضعف هو رفض لهذه القيادات منطق لبنان الحر الديموقراطي التعايشي؟ ان ما يجري على الأرض هو تعبير حيوي عن هدم لبنان بأيدي ابنائه، ومقتل ابنائه هو بأيدي قادته وزعمائه، هو عودتهم لمنطق ما قبل الدولة والعودة إلى الذهنية العثمانية التي ما اختلف اثنان على تخلفها عن ركب الحضارة والانسنة.


والأقسى من هذا ان يكون بعض هؤلاء القادة على الأقل ينفذون قرارات خارجية بإعادة لبنان الوجه الحضاري المشرق إلى عهد المذهبية والزمنية بغية تقدم الآخرين وتحقيق مكاسب على حسابه. ليت الجميع يدرك أن التاريخ سيحكم وحكمه لن يكون عابراً، وليتهم يدركون ان المهاجرين من لبنان قسراً نتيجة هذه الممارسات التي تجري في بلدهم سينسون لبنان ولن يعودوا إليه أكثر قوة وليتعلموا من الأجانب، هؤلاء الذين إذا خدموا في لبنان عاماً أرادوا أن يبقوا فيه أعواماً، فهل الذي عاش فيه أعواماً سينسى وطنه سريعاً.
مخطئون هؤلاء الزعماء والخطأ لا يستمر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل