مؤتمر قطر نقل الخليج إلى أوروبا
غسان تويني
يصيبك بعض الحزن عندما تشارك في مؤتمر أهل رأي أوروبي – دولي يعقد عربياً خارج لبنان… يوازن حزنك أنك تزهو لأن العاصمة الخليجية الصغيرة، إنما الناشطة أضعاف أضعاف حجمها، قد زرعت هكذا رمزاً عربياً استراتيجياً: ان الخليج العربي منطقة أوروبية – متوسطية.
في زمن صراع أهل الحنين الامبراطوري، بل “الامبريالي”، على عرب لعل لبنان صار منهم استقالوا من حقوقهم التاريخية، وحتى الجغرافية، فلا يقاومون ويرتضون دور “الساحة”، ها هو الخليج النابض بالحيوية المنتقل من حال مصدر ثروة فحسب إلى موقع الرؤيوية السياسية الاقليمية بل الفاعلية الدولية، فلا يتحكم فيه، وفي حكامه، مركّب الخوف على الثروة من الطامحين اليها الطامعين بها…
قضيته الأهم لم تعد الحماية من إيران ولا من أميركا…
لذلك تجده يعتبر نفسه شريكاً مؤهلاً في معالجة قضايا المنطقة، من القضية الأهم، فلسطين، الى… لبنان الذي أحلّه جدول أعمال “مؤتمر نادي موناكو” في الصف الأول من القضايا – الأزمات، في جيرة فلسطين والعراق وأفغانستان! بدل أن يكون، كما في أيامٍ ماضيات، شريكاً أصيلاً في البحث عن الحلول والعمل على تنفيذها.
من هذا المنظار، الجميع يسألونك هنا عما يعود به في جعبته الأمين العام لجامعة الدول العربية في جولته الثالثة أو الرابعة.
وتسأل بدورك الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس وزراء الدولة وزير الخارجية “هل اليأس من لبنان هو ما جعله يقطع وساطته ويعود؟”.
ويجيبك بحدة تواكبها ابتسامة بدوية عريضة: “وهل يجوز لقطري ان ييأس من لبنان؟” ويمضي يحكي عما للبنان في قلب كل قطري وعقله… وتضطر إلى مقاطعته قبل أن يخجلك بسرد ما للبنانيين في قطر وما لهم على الخليج وانطلاقه وعمرانه.
تصوّب السؤال، ولم يكن الحديث صحافياً وللنشر: اذاً يمكن أن تعود تستأنف وساطتك؟ جواب: إذا وجدت الترحيب الكافي بها، والاستعداد للتجاوب.
ولا تتمالك من السؤال، إلى حدود الإحراج:
“ممن الترحيب؟ من لبنان وأفرقائه؟ أم من سوريا وسائر الأطراف المتصارعين في لبنان وعليه؟”.
يبتسم، فقط يبتسم… ثم يزيد: “نحن، الآن، يهمنا إنقاذ لبنان من خطر الحرب التي بدأوا يقرعون طبولها”. ويضيف: “نراك في بيروت، انشاالله قريبا”. ثم يسألك عن أخبار عمرو موسى، ومتى يعود وما هو حظ “المبادرة العربية”، موضحا ان “لا دور لقطر ولا لي شخصياً خارج إطار المبادرة العربية”.
الانطباعات الاخرى من المؤتمر، اضافة إلى تكريس لبنان في الصف الأول من الازمات التي تصير أو صارت مزمنة.
على الجبهة الفلسطينية – الإسرائيلية: حضر بطل السلام يوسي بيلين، انما مزايدا في التطرف الحربي على الوزير باراك. وقد تغيب شريكه الفلسطيني في توقيع “مشروع جنيف” لمعاهدة سلام. السبب المعلن هو مشاركة ممثل من “حماس”. لكن عزام تميمي، الذي تحدث عن “حماس”، أعلن انه لا يمثلها، انما كانت مداخلته مجرد عرض تاريخي لوضع “حماس” وسياستها، بصفته مؤلف كتاب مرجع عن الموضوع منشور في لندن منذ عام 2007.
الحرب الأميركية على ايران: مستحيلة … بل أكثر. ثمة مئة سبب وسبب لاستحالتها، وخصوصاً في عز معركة الرئاسة، التي تجعل من المستحيل كذلك على واشنطن التأثير في مسار السلام العربي – الإسرائيلي. إذاً: “حلم جورج بوش بأن نرى دولة فلسطينية قبل نهاية الـ2008” ليس حلماً، بل سراباً… وهنا يقولون صحراوياً !
العراق: يجب ان يعود موحداً. والطريقة الوحيدة مؤتمر دولي أو مشاورات دولية وإقليمية يشترك فيها كل الأطراف المعنيين. حتى المناقش الروسي، الخبير الأول في الشؤون العربية والشرق الأوسطية، لم يبد مخالفاً، في مداخلته المكتوبة (التي تلاها حرفياً، ربما لأنه المشارك الأهم الذي لا يزال في موقع مسؤولية في السلطات، ولو مبهمة!).
إدوارد جيردجيان كان الأكثر طلاقة في الكلام ولو بصيغة الديبلوماسية التساؤلية. الفرنسي جان – كلود كوسران لا يتوقّع ما يوجب عودته الى بيروت (أو دمشق) قريباً. ويعترف لصديقه القديم جيردجيان بأنه لبناني المولد (بكفيا) لما كان والده موظفاً أيام الانتداب الفرنسي.
بطرس بطرس غالي كان الأقل كلاماً رغم رئاسته للمنظمة. لكنه كان يبدو مهموماً. ونفى أن تكون ثمة ضرورة أو فائدة من طرح قضية المسيحيين العرب، حتى عندما تساءل أحدهم عن صحة هجرة كثرة منهم من العراق إلى سوريا ولبنان.
علّق أحدهم: “بلاش كلام كوسوفي”.
نائبة رئيس البرلمان الأوروبي، اليونانية رودي كراتسا قرأت تقريراً طويلاً عن “كونية” أزمات الشرق الأوسط وترابطها في قضية واحدة.
الاستنتاج الطبيعي بعد مناقشة دامت ساعتين، بإدارة كراتسا، ان الزمن ربما نضج للدعوة إلى “مؤتمر أوروبي – بحر متوسطي – شرق أوسطي”، على ألا يعني ذلك تلبية حرفية لدعوة الرئيس ساركوزي الى كيان أوروبي – متوسطي صعب التحقيق الآن.
“ننتظر الرئاسة الفرنسية الدورية للاتحاد الأوروبي”. تلك كانت الكلمة الفصل في المناقشة، بل مسك الختام في مسارات نقلها ميشال روكار أحد رؤساء الوزراء الفرنسيين السابقين في عهد الرئيس ميتران صارحه بها الرئيس ساركوزي خلال مقابلة حديثة.
أين يكون مركز لبنان اذذاك؟
في مصاف شهود الأزمات، ام المتهمين بإحداثها؟
أم في هيئة التحكيم، وصولاً الى الصف الأول من الأفرقاء المشاركين في صناعة قرار دنيا مستقبلية…
لا، في قطر، ليس ممنوعاً ان تطمح… ولا حلم ممنوعاً هنا…
في مصاف شهود الأزمات، ام المتهمين بإحداثها؟
أم في هيئة التحكيم، وصولاً الى الصف الأول من الأفرقاء المشاركين في صناعة قرار دنيا مستقبلية…
لا، في قطر، ليس ممنوعاً ان تطمح… ولا حلم ممنوعاً هنا…