#adsense

التاريخ الحَكم…

حجم الخط

التاريخ الحَكم…

علي حماده

    

لم تكن مواقف السيد حسن نصرالله في ذكرى مرور اسبوع على اغتيال عماد مغنية مختلفة عما سبقها من مواقف، لا بل انها اتت نارية في شكلها، باردة في محتواها الفعلي. فالحرب المفتوحة لم تعد مطروحة على النحو الارتجالي الذي طرحت فيه يوم اغتيال مغنية. والمواقف الداخلية لم تأت اكثر سلبية تجاه التيار الاستقلالي مما عهدنا في المرات السابقة.

 

فحتى عندما تناول المحكمة الدولية، لم يفاجئنا بموقفه التشكيكي المتصل بسلسلة من المواقف السابقة التي اعتبرت في مرحلة من المراحل الضباط الاربعة المشتبه بهم في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري معتقلين سياسيين، الامر الذي فهم يومها على انه اجازة مفتوحة للعمل على إخراجهم من السجن بكل الوسائل المتاحة، على رغم علم نصرالله ان الضباط الاربعة موقوفون بتوصية من لجنة التحقيق الدولية لم يسحبها ويغير مضمونها القاضي سيرج برامرتس طوال مدة ولايته. وهنا لا ينتظر احد من نصرالله وحزبه سوى مزيد من التشكيك بالمحكمة وصولا الى بناء جبهة سياسية امنية لبنانية داخلية لمقاومة المحكمة حماية للحليف السوري الذي يعرف قبل غيره مدى ضلوعه في الجريمة. هذا ما دام “حزب ولاية الفقيه” بريئا   الى اليوم من دم الحريري وممن لحقوه على درب الاستشهاد في سبيل الاستقلال.

نقول هذا الكلام في وقت كنا نربأ فيه بالامين العام لحزب يعتبر نفسه محملا بتكليف الهي بقتال جميع “كفار الارض”، ان يغرق نفسه في لعبة الأعداد في لبنان، فيدخل “زاروب” المقارنة بين تظاهرتي الرابع عشر من شباط وتلك العاشورائية، داعيا الى تنافس شارعي بين جمهوري 8 آذار و14 آذار على قاعدة تخلي الاستقلاليين عن استدعاء الوفاء لرفيق الحريري لحمل الناس الى الشارع، من دون أن يعدنا في المقابل بنزع عمامته، والتخلي عن اقحام العزة الالهية في كل عمل يقوم به “حزب ولاية الفقيه”، فضلا عن وقف استخدام المغالاة المرضية في استخدام الغيبيات من كل صنف وسائل للتأثير في الناس، مع المال الطاهر المحمول بأكياس الخيش امام عدسات العالم أجمع.


كنا نربأ بمن يعلل النفس بمحو اسرائيل من الوجود  وفي كل مرة يعتلي فيها المنبر، ان يثير في نفوس الملايين من اهله عربا مسلمين ومسيحيين في هذا المشرق العربي، هذا القدر من التحسس. فهو عندما يناصب غالبية ( نعم غالبية) شعبه العداء، وعندما يناصر (في اقل تعديل) قتلة رموز الاستقلال، وعندما يجتاح مدن الآخرين وأحياءهم  وشوارعهم، وعندما يقف حائلا دون قيام الوطن من كبوته، وعندما يتسبب بحروب تجر على البلاد الويلات والكوارث من كل نوع كما حصل عام 2006، فإنه إنما يدفع بقية الشعب اللبناني الى مزيد من الافتراق عنه كيلا نقول انه يدفع الملايين الى الكفر بكل ما هو مشترك في ظل الواقع المرير الذي يفرضه نصرالله وجيشه ومناصروه على ملايين اللبنانيين.


قلنا يوما انه كلما اعتلى نصرالله المنبر، وكلما لوح باصبعه مهدداً، وكلما صدح صوته، ابتعدت عنه غالبية اللبنانيين المتنوعة، ولا يسعفه هنا تحالفه مع جهة مسيحية يتأكد تآكلها الشعبي والوجداني يوما بعد يوم. اما  عن الغالبية المزعومة التي يفترض السيد حسن نصرالله انه يملكها فنقول له: مهما فعلت ستظل تمثل اقلية فئوية احادية اللون، وسيظل جمهورك تجمعا فولاذيا جامدا لا يحسن سوى تمجيد الموت واستحضار الدم. اما جمهور لبنان الاستقلال فسيبقى يمثل غالبية لبنانية عظمى في الوطن والانتشار، تحمل مشروع الاستقلال والحرية والديموقراطية والتعددية  وتغتني بتنوعها بمسيحييها ومسلميها بمن فيهم فئة شيعية كبرى ستكتشف يوما يا سيد، انها خرجت على تسلط جحافلك المدججة حتى الاعناق، كاسرة جدار التخويف والترهيب، لتكمل مسيرة الاستقلال كما بدأته في القلب والوجدان منذ المنطلق.
وبيننا التاريخ الحَكَم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل