لو أن “معجزة” حدثت.. فلن يكون “التوافق” سوى “هدنة”!
محمد مشموشي
محمد مشموشي
بافتراض أن “معجزة” ما، في هذا الزمن العجيب (الذي هو، مع ذلك، ليس زمن معجزات)، حدثت في اللحظة الأخيرة، فاتفق قادة القوى السياسية اللبنانية من ناحية وعقدت القمة العربية ـ ونجحت ؟! ـ من ناحية ثانية، فلن يكون شهر نيسان المقبل مختلفا في شيء كثير عما سبقه، لا على الصعيد اللبناني الضيق في آفاقه وتداعياته ولا على الصعيد العربي الواسع.
ذلك أن أقصى ما يمكن توقعه، من هذه الفرضية، لن يتجاوز كونه “مساومة” تسووية ضيقة الأفق تبقي الأمور على ما هي. مجرد “هدنة” موقتة، أو “وقف نار”، كما في جولات القتال التي خبرها اللبنانيون، ومعهم العرب، جيدا طيلة الفترات الماضية من تواريخ حروبهم الباردة، أو الساخنة، في ما بينهم. لكن الجديد هذه المرة، وفي لبنان خصوصا، أنها هدنة بالغة الهشاشة لن تلبث أن تكشف عن رأسها.. لتبدو “شؤون” اللبنانيين وشجونهم، في ما بينهم أولا وبينهم وبين شؤون المنطقة وشجونها ثانيا، حتى أسوأ مما هي الآن!
ليس في هذا القول تطيّر فطري، ولا تشاؤم نفسي، بل مجرد قراءة متأنية ليس للمُناخ السياسي والاجتماعي العام في البلد فقط بل أساسا لما يصرح به الفرقاء، من أهل الحل والربط، وهم يشرحون مواقفهم مما يطلبونه حاليا، ويحددون مواقعهم ـ وتاليا مواقع شركائهم في الوطن ـ مما يتصورونه للمستقبل في مراحل لاحقة.
يأتي أولا ما تحدث به الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، في تشييع القائد العسكري للحزب عماد مغنية، عن بدء التأريخ لزوال اسرائيل من الوجود وعن الحرب المفتوحة معها بعد أن عمدت هي الى إخراج الحرب من منطقة الاشتباك، ثم سعيه غير الناجح وغير المقنع، في ذكرى مرور أسبوع على الاغتيال، لتخفيف وقع اعلانه الأول بالقول ان زوال اسرائيل من الوجود يظل وقفا عليها اذا هي شنت حربا على “حزب الله” وأن الحرب المفتوحة قائمة فعلا منذ العام 1948 ولم تتوقف مذذاك.. لينطلق من ذلك الى أن قرار الحرب والسلم ليس في يد الحزب ولا في أيدي اللبنانيين، بل هو في يد اسرائيل، واسرائيل وحدَها.
وليس مهما كثيرا ما قاله نصرالله، في خطابيه، عن المأزِق السياسي الداخلي الذي يعيشه لبنان عمليا منذ العدوان الاسرائيلي في تموز/ آب من العام 2006، لأنه لا يقدم جديدا على ما عَرَفه هذا المأزِق منذ بدايته. كما ليس مهما كذلك اعتبار ان اللهجة العالية في الخطاب الأول استدعتها لحظة الحزن على الجريمة المروعة، وتاليا حاجة القيادة الى الرد بشد أزر القاعدة، وأن الموقف الحقيقي هو ما ورد في الخطاب الثاني خاصة بعدما أسيْءَ فهم الخطاب الأول. فالحصيلة في الحالتين واحدة، وهي ليست الا زيادة التباعد بين اللبنانيين ان في ما يعانونه في بلدهم الآن أو في ما عليهم العمل لصونه من مخاطر في المستقبل. ومتى؟!، في وقت يتحتم عليهم، وفق كلام نصرالله نفسه عن الحرب المفتوحة المستمرة منذ نصف قرن، تأكيد وحدة شعبهم وطوائفهم وتياراتهم السياسية ومؤسساتهم واقامة دولتهم القوية والقادرة استعدادا للمستقبل.
يأتي بعد ذلك حديث بعض قادة “التيار الوطني الحر”، فيما يدعو زعيمه العماد ميشال عون الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى لعدم المجيء الى لبنان، عما يصفونه بـ”الاتفاق مع رئيس الجمهورية والوزراء المحسوبين عليه على أن تتخذ القرارات في الحكومة بالاجماع”. كيف؟!، بتجاوز، وحتى بنسف، المادة في الدستور التي تنص على اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء بالتوافق والا بالتصويت. وعندما فسرت الغالبية هذا الكلام على حقيقته، أي باعتباره نزعا لحق التصويت من هؤلاء الوزراء وتحويلهم الى مجرد شهود زور، ثارت ثائرة القادة في “التيار” ولم تقعد، لكن هذه المرة (لحسن الحظ!) من دون التبرع بتعليم الغالبية أصول اللغة العربية والنحو والصرف، كما حدث مع عمرو موسى في مرة سابقة.
وعندما جرى تذكيرهم بما اقترحه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، قبل عام ونصف العام، مما أطلق عليه يومئذ وصف “الوزير الملك”، وبحملتهم على الاقتراح باعتباره مخالفا للدستور وحتى انتهاكا لحقوق الانسان، جاء الرد: هذا شيء وذاك شيء آخر!!.
أما حديث “المثالثة”، وما أدراك ما المثالثة، فلا يختلف كثيرا عن قِصة “الكلام المباح حين يدرك شهرزاد الصباح”. لم تدع قيادات المعارضة، ولا القيادات السورية، مناسبة الا وقالت فيها إنها التفسير الوحيد لمبادرة الجامعة العربية الخاصة بـ”عدم الاستئثار وعدم التعطيل”، حتى اذا سألت الغالبية عما اذا كانت المثالثة طريقا فعلية لعقد جلسة لمجلس النواب وانتخاب رئيس الجمهورية جاء الجواب: من هو صاحب هذا الاقتراح؟!، وماذا بعده؟!، ومن يكون رئيس الحكومة العتيد وقائد الجيش وشاغل هذه الوظيفة أو تلك.. الخ؟!.
ما يهم على هامش ما سبق، وغيره الكثير مما يماثله، أن المجتمع السياسي اللبناني بات على حافة التحول الى مجتمعين يصعب أن يلتقيا حتى لو حدثت “المعجزة” المفترضة.
ـ نصف الشعب اللبناني “خونة” و”قتلة” و”لصوص”، لمجرد أنهم يؤيدون ما تطالب به الغالبية النيابية من وقف للتدهور وانتخاب رئيس للجمهورية واعادة بناء الدولة،
ـ ونصف الشعب اللبناني “مرتزقة” ينزلون الى الشارع للتظاهر، اما بالمال أو بالاغراء به أو بتسوله، وفي كل حال تحت أوهام التحريض الطائفي والمذهبي،
ـ ونصف الشعب اللبناني “أميركي ـ اسرائيلي” أو”انهزامي” أو “مستسلم”، لمجرد أنه لا يقبل أن يساق الى الانتحار تحت شعارات لا تفعل الا أنها تجمع بين التناقضات (“الممانعة” و”المقاومة” و”السلام كخيار استراتيجي” في وقت واحد) وتجعل من لبنان، ومن لبنان وحدَهُ، ساحة مفتوحة باستمرار ـ على طريقة الحرب المفتوحة باستمرار ـ للعب على هذه التناقضات،
ـ ونصف الشعب اللبناني، أخيرا، “طائفي” و”مذهبي” و”متعصب” (عمليا، متخلف) لأنه يدعو النصف الآخر الى كثير من التعقل في مراعاة التنوع الطائفي والمذهبي والسياسي، قاعدة قيام الكيان في لبنان، لأن البديل لن يكون وطنا ولا دولة بل مجموعة قبائل.. يأخذ بعضها طريق البدْو الرحّل، والبعض الآخر طريق القتال الدائم!.
بافتراض أن “معجزة” ما حدثت في اللحظة الأخيرة، في مثل هذا المجتمع السياسي العجيب، هل يمكن أن تكون أكثر من “هدنة” موقتة لن تلبث أن تكشف عن رأسها؟!،
وهل تعرف الطبقة السياسية “المستجدة” (رحِم الله الكبار الذين رحلوا) أنها انما تهيئ البلد لواحد من اثنين: الفراغ القاتل أو الهدنة الموقتة.. وفي النهاية: التَرْحال الدائم أو الاقتتال الدائم؟