#adsense

الساحة الأصلح أم الوقاية الأصلح؟

حجم الخط

الساحة الأصلح أم الوقاية الأصلح؟ 
رضوان السيّد

 

تتضاءل المناقشات بشأن احتمالات الصراع وميادينه، ويقتصر الأمر على التساؤل عن الوقت، وعن الجهات التي ستندمج فيه مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشر. على أنّ العرب الكبار لا يُسلّمون بذلك، ويرون أنه مع الأخذ بالاعتبار ما يقوله الإسرائيليون ومجادلوهم، فإن اندلاع المعارك لا يزال تجنبه ممكناً إذا أمكن إنهاء الانقسام والشذوذ الناجم عن التدخلات الدولية والإقليمية في المنطقة العربية، في فلسطين والعراق ولبنان. وإذا كان التأثير على “المتدخّلين” صعباً ويستغرق وقتاً ويتطلب سياسات، فإنّ الأمر ليس كذلك بالنسبة للنظام السوري، والذي عمل طوال العقدين الماضيين أداةً أو مخلب قطّ للجهات الدولية والإقليمية.

 

فإذا أمكن إقناع ذاك النظام بمصلحته الكامنة في العودة للصفّ العربي، فإن الأمور في فلسطين ولبنان والعراق سوف تكون أسهل كثيراً لمواجهة تحديات الانقسام الداخلي في هذه البلدان العربية الثلاثة، فيكون من الصعب على الإسرائيليين والأميركيين الدخول من ثغرات الانقسام، واستدراج متدخلين آخرين لممارسة العدائية الحقيقية أو المدّعاة لهذين الفريقين على الأرض العربية. ولذا فإنّ المترتب على “النظام السوري” ثلاثة أمور: إنهاء الانقسام أو تخفيفه في البلدان العربية الثلاثة، والتمكّن من مكافحة سياسات الحرب والتدخّل على العرب، وتطوير المبادرة العربية المنطلقة من بيروت عام 2002. لقد انحصر جهدُ الأطراف اللبنانية حتى الآن، وسواء قالوا ذلك لبعضهم أم لا، بالعنوانين التاليين: الساحة الأصلح أم الوقاية الأصلح؟ فالمعارضة ومن ورائها سوريا وإيران ـ والسائرة باتجاه المواجهة ـ يهمّها “الساحة الأصلح” أو الظروف الأصلح لها في حالة اندلاع الصراع: هل الأفضل لحرية الحركة أن يكون للبنان رئيس وحكومة وبرلمان مفتوح ومؤسسات عاملة؟ أم الأفضل لها الانطلاق في فراغٍ منظّم أو فوضوي. في حرب تموز خدمها وجود الحكومة، وإن لم تعترف بذلك، وما وقعت عليها مسؤوليات الحرب ولا الإعمار.


لكنها من ناحية ثانية ما استطاعت الاستيلاء على السلطة، وهو الأمر الذي كانت تريده سوريا وإن بحرب أهلية.
بيد أن الحسابات تختلف هذه المرة: سوريا ما قبلت التنازل قيد أُنملة رغم الوساطات الكثيرة، وحزب الله حانقٌ جداً لاغتيال عماد مغنية، لكن لا مفاجأة لإسرائيل ولا للخصوم الآخرين هذه المرة أيضاً، ولذا فإنّ “الانتصار” المحتّم إن وقعت المواجهة سيكون مختلفاً والنتائج السياسية غير مؤكدة.


وفي الوقت الذي يحسب المناضلون الحسابات العسكرية والسياسية للمواجهة، ينصرف اللبنانيون المسالمون لبيان محاسن وجود رئيس الجمهورية وحكومة فاعلة ومجلس نواب مفتوح، باعتبار أن في ذلك فائدة كبيرة للبنان وللمواطنين في حال حصول المواجهة أو في تجنّبها. في حال حصول المواجهة سنستطيع الصمود كما صمدنا في حرب تموز بسبب وجود الحكومة وعمل المؤسسات، وإذا قررت جهات “المواجهة” على الضفتين تأجيل الحرب لأي سبب، فإنّ ذلك سيدعم الأمن في لبنان، ويزيد ثمار وجود الدولة والحكومة وقد يطلب حواراً لبنانياً داخلياً عندما “ترتاح” سائر الأطراف، ويتراجع عنها التهديد.


على أن ما يسعى إليه العرب الكبار أكبر من ذلك وأوسع. إنهم يطمحون من وراء عودة النظام السوري للانتظام في الصفّ العربي أن يخرج من مواقعه الحالية في “عين العاصفة” وأن يساعد ذلك على لأم الجراح في عدة بلدان عربية، وأن تستتب سياسات عربية للوقاية من الحرب والعدوان، ونصرة التسوية المفيدة السورية وفلسطين.


هل هناك أملٌ في التغيير باتجاه السياسات الوقائية؟ الأمل ليس كبيراً، لكنه غير معدوم، وفسحته لا تتجاوز الأيام الخمسة المقبلة.


ولا حول ولا قوة إلا بالله.
رضوان السيّد

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل