النظام السوري يواجه للمرّة الأولى منذ عقود رفع غطاء من “محور النظام العربي”..
ولا يراهنُ إلا على “تناقضات”
ولا يراهنُ إلا على “تناقضات”
مشهد عربي استراتيجي جديد عشيّة القمة
نصير الأسعد
مع أنّ الخلاف السعودي والمصري مع النظام السوري قائم منذ ثلاث سنوات، أي منذ جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فانّ هذا الخلاف المحتدم و”المتفجّر” في هذه الأيام إنّما يكتسب طابعاً إستراتيجياً هو الأول من نوعه منذ ثلاثة عقود على الأقل. وبكلام آخر، اتخذ الخلاف خلال الأعوام الثلاثة الماضية مساراً تراكمياً لـ”يتفجّر” الآن على مسافة أسابيع قليلة من القمّة العربية المقرّرة في دمشق نهاية آذار المقبل.
التحالف السوري ـ الإيراني إختراق للنظام العربيّ
وإذا كان الوضع في لبنان العنوان الأبرز للخلاف، فانّ هذا الخلاف بشأن لبنان يختصر في واقع الأمر عوامل “التفجّر” في العلاقات السعودية ـ السورية والعربية ـ السورية. فالنظام السوري الذي إتخذ قراراً بالتحالف الإستراتيجي مع إيران، إتخذ مع تسلّم بشّار الأسد السلطة قراراً موازياً بـ”مغادرة” متدرّجة لـ”النظام العربي” وبمواجهته.
التحالفُ السوري ـ الإيراني “المترجم” في العراق وفلسطين ولبنان، ليس فقط من طبيعة مناقضة للنظام العربي وإستراتيجيته، بل هو سمح باختراق إيران للوضع والنظام العربيين وسمح لها ببناء “علاقة قوّة” مع دول النظام العربيّ، وسمح بتمدّد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية. وبالرغم ممّا يمكن لـ”البعض” أن يقوله، فانّ النظام العربي وجد نفسه في السنوات الماضية أمام مشروع تطويق بين ثلاث قوى إقليمية هي إسرائيل وإيران وتركيا. واللافت في الموضوع انّ النظام السوري هو “صلة الوصل” بين هذه القوى الإقليمية ضدّ النظام العربيّ.
الإنقلابان السوريّان إنطلاقاً من لبنان
وعندما يُقال إنّ الخلاف بشأن لبنان يختصر عوامل “التفجّر” في العلاقات العربية ـ السورية لا سيما السعودية ـ السورية، فالمقصود أنّ النظام السوري يخوض من لبنان بشكل خاص الإنقلاب على النظام العربيّ. ففي لبنان يعملُ النظام السوري مع إيران على تغيير الأوضاع كي يستعيد نفوذه على القرار السياسي للدولة اللبنانية أو كي يعود إلى لبنان ويستتبعه. وعلى نتائج الوضع اللبناني، يفاوض إسرائيل كي يحتمي بـ”صفقة” معها.
إذاً، إنقلابان يخوضهما نظام الأسد في لبنان. واحدٌ ضدّ السلطة اللبنانية المُنتخبة بعد خروجه من البلد، وهو إنقلابٌ على النظام السياسي والدولة. والثاني ضدّ النظام العربي بالشراكة مع إيران. وواقع الأمر انّ الإنقلابين إنقلابٌ واحد.
هذه الأمور جميعاً لا بدّ أن تكون حاضرةً لدى تحليل “التفجّر” في العلاقات العربية ـ السورية. بيد انّها يجب أن تكون حاضرةً لدى الحديث عن مشهد إستراتيجي مختلف للمرّة الأولى منذ عقود.
على انّ ما ينبغي التشديد عليه في هذا الإطار هو انّ المملكة العربية السعودية هي قائدة النظام العربي وانّ مصر هي دولة “ركنيّة” فيه، وانّ معهما دولاً عربية أخرى تشكّل ركائز للنظام العربي. وذلك كلّه يعني انّ الخلاف ليس مجرّد خلاف بين دولة وأخرى، بل هو بين النظام السوري والمحور العربي الأكبر الذي يمكن القول إنّه “محور النظام العربي”.
الزمن الغابر
ومن أجل تبيان واقع انّ ثمّة مشهداً عربياً إستراتيجياً مختلفاً للمرّة الأولى منذ عقود، يتذكّر المخضرمون انّه خلال العقود الثلاثة المنصرمة، قبل 2005، كان ثمّة موقفٌ سعودي ـ مصري ـ سوري مشترك حول لبنان. ويتذكّرون انّ الدول الثلاث، حتّى عندما كانت تختلف حول قضايا شتّى، كانت تتّفق حول لبنان. ويتذكّرون أيضاً انّه حتّى عندما كانت السعودية ومصر مع الجانب العراقي في الحرب العراقية ـ الإيرانية وعندما كانت سوريا مع الجانب الإيراني، كانت هذه الدول تحرصُ على التفاهم بشأن لبنان.
ويتذكّرون انّ المواقف حول لبنان في القمم العربية، كان التمهيدُ لصياغتها يتمّ في قمم ثلاثيّة. ويلفتون إلى انّ تلك المواقف ـ القرارات كانت تراعي النظام السوري بل كانت “تحميه”. وإذا كان إتفاق الطائف بحسب هؤلاء المخضرمين شكّل مشروعاً لتمكين لبنان من حكم نفسه بنفسه، وقد “تعطّل” بسبب الظروف الإقليمية والدولية التي أدّت آنذاك إلى إعادة تفويض نظام الأسد بلبنان، فانّ “محور النظام العربي” حرص على “مراعاة” سوريا تزامناً مع محاولات “عقلنة” ما كان يسمّى “الإدارة السورية” للوضع اللبناني.
ويضيفون انّه حتّى مع إنتهاء تفويض النظام السوري بلبنان نهاية العام 2004 بالقرار 1559، وحتّى مع إغتيال الرئيس الحريري، لم يقطع “محور النظام العربي” مع النظام السوري.. وكانت محاولات دائبة لـ”ترشيده”. وثمّة محاولات حديثة جداً جرت تحت عنوان إعداد ظروف إنعقاد القمّة في دمشق، لدفع نظام الأسد إلى “التعقّل” في لبنان خصوصاً، لكنّه صدّ هذه المحاولات جميعاً.
نظام الأسد يخسر عربياً ويلعب على تناقضات
إذاً، عشيّة القمّة، ثمّة مشهد إستراتيجي مختلف في ظلّ الخلاف الإستراتيجي المتفجّر بين “محور النظام العربي” والنظام السوري. وفي هذا المشهد المختلف انّ الحاكم السوري يخسر للمرّة الأولى وبشكل قاطع الغطاء العربي لنظامه.
لكن النظام في سوريا ليس فقط في صدد خسارة الغطاء العربي، بل هو يلعبُ أوراقاً متناقضة لـ”التعويض” عن “الحماية العربية”.
يمكنُه أن يراهنُ على “حنان” إسرائيلي، لكنّ إسرائيل أُبلغت من الولايات المتحدة الأميركية بانّ علاقتها بهذا النظام شأنٌ من شؤون “الأمن الأميركي” وبأنّ عليها إلتزام “السياسة” الأميركية.
ويمكنُه أن يفترض لنفسه “ذكاءً” عبر “الجمع” بين إسرائيل وإيران. لكنّه أمام صراع بين الطرفين حيثُ تؤكّد إسرائيل انّها لا تحتمل إيران نووية، بل تعرض خدماتها لعمل عسكري ضدّ إيران “بديل” من حرب أميركية “معلّقة”. وما الغارةُ الإسرائيلية على منطقة دير الزور السورية قبل مدّة إلا لتذكيره بـ”الفصل” عن إيران، وهي على كلّ حال غارةٌ جعلته يهرع باتجاه إسرائيل.
“الإستشراس” لا يلغي الحقائق
لذلك، فانّ النظام السوري الذي يخوض إنطلاقاً من لبنان إنقلاباً على النظام العربيّ، انّما يواجه “محور النظام العربي” والمجتمع الدولي معاً، ويواجه أكثرية لبنانية سياسية وشعبية تؤكّد الانتماء إلى النظام العربي تجسيداً لإنتمائها العربي، فيما هو يراهن على “تناقضات”.
ذلك كلّه يعني انّه وهو “يستشرس” يواجهُ ليس فقط عزلة عربية ودولية، بل خطراً على المصير.. هو الأول من نوعه أيضاً، وهو الذي لطالما إستمدّ حمايته مِن الموقفَين العربي والدولي.
هو سيزيد “إستشراساً”، خاصّةً مع تقدّم المحكمة الدولية. لكنّ الصراع العربي ـ السوري الدائر الآن حول مصير القمّة في دمشق يؤشّر إلى منعطف مفصليّ بكلّ المعايير، قد لا يدرك النظام السوري أبعاده.. إلاّ بعد فوات الأوان.