#adsense

معك يا لبنان

حجم الخط

معك يا لبنان

راشد فايد

 

ليس مصادفة ان تتوالى قرارات الدول العربية حض مواطنيها على الحذر وتجنب زيارة لبنان في المرحلة الحالية. فبعد المملكة العربية السعودية، جاء التهديد الهاتفي لسفارة دولة الكويت، وتلته مخاوف البحرين مما يقلق الرياض، ولا شيء يوحي أن خط الانسحاب لن يشمل دولا أخرى في مجلس التعاون الخليجي وخارجه من المجموعة العربية، خصوصا أن المخاوف نفسها تبدت لدى دول أجنبية عدة لم تتلكأ في دعوة مواطنيها من زائري لبنان والمقيمين فيه الى الحيطة، وإن أمكن مغادرته.


والدهشة التي أطلت من كلام اللبنانيين على القرار السعودي لا يعادلها سوى الاندهاش بالتهجم المتمادي، ومنذ وقت، لبعض مفاتيح المعارضة.


ولم يكن هذا التمهيد بغائب عن عين أي مراقب سياسي. فالتصعيد في وجه دور المملكة العربية السعودية في لبنان وضد دورها القيادي الاقليمي بدأ بخطاب “أنصاف الرجال وأنصاف القرارات” الذي كان إشارة الانطلاق لـ”الصدّاحين” في بيروت. لكن ذلك لم يؤخّر الرياض عن مد يد المساعدة للبنان: سياسيا، بالسعي الى تقريب وجهات النظر بين الغالبية والأقلية حين تمددت حرب تموز الى الداخل وأراد “الامين العام” ثمناً لها من الداخل بقلب المعادلة السياسية المستقرة منذ اتفاق الطائف. ولم يؤخرها عن مد يد المساعدة انسانيا تحت شعار “معك يا لبنان”. فما أن توقف العدوان الاسرائيلي حتى امتد من المملكة الى لبنان أكبر جسر إغاثي بري، بعدما كان سبقه جسر ضغوط ديبلوماسية مارستها الرياض على مواقع القرار الدولي للجم الاعتداءات، رغم اعتراضها المبدئي على توفير “حزب الله” لاسرائيل التبرير الحدثي لجريمتها الجديدة.

 

ولم يؤثر إختلاف”الرؤية”على موقف الرياض المبدئي فبلغت قيمة المساعدات السعودية خلال حرب تموز نحو مليار دولار، مضافا اليها، بعد الحرب، مليار دولار وديعة في مصرف لبنان المركزي لدعم سعر صرف الليرة (مؤتمر باريس 3)، ونصف مليار دولار لمركز التنسيق لنزع الالغام في الجنوب. وكانت سبقت حرب تموز مساعدات بقيمة مليار دولار ووديعتان بقيمة مليار ومئتي مليون دولار (منها 700 مليون في مؤتمر المانحين في باريس 2002). ولا تدخل في هذه الارقام المساعدات العينية منها المعيشي ومنها الطبي الحكوميان إضافة الى ما خلصت اليه الحملة الشعبية.


لم تؤد حفلة “الردح” السياسي لجوقة “زغلول” المعارضة الى ثني الرياض عما هو أهم من الدعم المالي (وآخره ، قبل أيام، التعهد بوديعة جديدة بمليار دولار لدعم الليرة اللبنانية )، وهو العناد لأجل لبنان المستقل من دون وصاية، والاقرار، ضمنا، بأن لا طريق إليه سوى التعجيل بقيام المحكمة الدولية، بعدما طرقت الرياض كل أبواب الاقناع منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ووعد دمشق الذي لم ينفذ بتقديم ما لديها من معطيات تبرئها من الجريمة التاريخية ، وصولا الى الوعد بتسهيل انتخاب العماد ميشال سليمان  رئيسا للجمهورية والذي لم يتحقق بعد.


قد يجد محللون في “الانسحاب” السعودي خصوصا، والخليجي عموما، ما يذكر بالوجه “الديبلوماسي” للحرب اللبنانية، حين ارغمت قوى الأمر الواقع دولا كبرى على إخلاء الساحة اللبنانية كي يستطيع “المايسترو” نفسه أن يصول في لبنان ويجول بما يخدم استراتيجية وضع اليد التي لا يبدو أنها تغيرت، لكنها بالتأكيد لم تعد تستوعب دروس ما بعد سقوط جدار برلين. والواقع أن السعودية، وكذلك الكويت والبحرين، لم تنسحب ، وإن خافت على سلامة مواطنيها، لكنها على ما يبدو ، تحسن شروط المواجهة السياسية مع اصحاب الطموح الاقليمي الى إسقاط المحكمة الدولية وإعلاء المعاندة النووية على حساب استقرار المنطقة واستقلال لبنان. ولا يبدو أن السعودية التي حقنت دماء اللبنانيين باتفاق الطائف، ورعت قيامة لبنان في أحلك الظروف، مستعدة لقبول تركه فريسة سهلة لأي ناب، والموقف من حضور القمة العربية أول الغيث، والرياض رأس جبل الجليد العربي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل