في أن الآخرين ليسوا قلائل العقل
سمير عطاالله
توقفت الصيف الماضي فترة عن كتابة هذه الزاوية لانني شعرت ان الاحداث، لا المواقف، بدأت تحملني معها. وأدركت انني، مرحلة بعد اخرى، اندفعت في اتجاه واحد، خطأ او حقيقة.
ولم اكن اريد هذا، ولا سيما في مراحل المصير. لذا فضلت ان امتنع، على ان اصنَّف، خصوصا ان المقاومة اصبحت جزءا من ممارسات السياسة اليومية، ولها في نفسي اعتبار يتجاوز السياسات والآنيات.
لكن الكاتب يسأل نفسه ايضا: اذا لم أدوّن موقفي والوطن في النزع، فمتى أبلغه مشاعري؟
أتذكر كلمات الاب كوندار: مهمة الكاتب ان يكون “مع” الوطن، لا الى جانبه، ولا في مواجهته ولا “فيما” هو… مهمته، ان يكون فقط “معه”. وينتج من ذلك طبعا ان يغضب كثيرون: انقياء واتقياء وفجّار وخرفاء. لكن المكافأة اكبر واعمق: ارضاء النفس، خصوصا وهي في هذا الابد من الحزن، امام مشهد السقوط والتداعي: سقوط الانسان وتداعي الوطن وتفتت الارض مع تفكك الروابط.
ثم انني في طبعي وفي منشئي ضد الحكومات والاكثريات لما تتضمن من سلطة على الضعفاء والبسطاء والاوادم. وفي طبعي ضد السلطة لان السلطة اغراء في الفساد والتسلط، وهي، مثل النفس، أمّارة بالسوء وخصوصا في بلد مثل لبنان حيث السلطة تسلط مباشر على حياة المواطن ورزقه، حلت محل الاقطاع القبيح في المحسوبية والانانية وضعف الخلق وقصر النظر. ولم يستطع القطاع الخاص ان يحل مكانها لانها استعبدته واغرته بالشركة في المكاسب والوجاهة. ورأينا منذ الاستقلال بعض المهنيين ورجال الاعمال الكبار يتركون المهن المجزية والانسانية، من اجل تمتع عابر، وغالبا مليء بالفساد، في عالم السياسة.
وبدت المسألة احيانا مليئة بالشبهة او بالغباوة، او بالسخف المظهري. لذلك تعودنا، وخصوصا العاملين في هذه الجريدة، ان ننظر دوما بارتياب الى السلطة واهلها والفجعانين اليها. واعتقد اننا نادرا ما كنا على خطأ، متكلين في ذلك، لا على حذاقة الحدس بل على غباوة الممارسين، المرفقة بالتمادي في استغباء الناس واحتقار وجودهم واذلال مشاعرهم.
تغيّر مفهوم المعارضة التقويمية علينا، عندما اصبحت المعارضة عصيانا مدنيا سلبيا. اي غير معلن. ولكن جميع معالم العصيان ومظاهره وانعكاساته كانت حاضرة. وما لبثت المعالم والمظاهر ان ألحقت بما هو اقسى: لغة العصيان. الاعمال، حتى العنفية، تترك الباب مفتوحا امام عودة او استعادة، لكن الخطاب العنفي او الاستكباري او الاذلالي، لا يترك نافذة ولا كوة. من هنا لم نشعر ان ذروة التصعيد كانت اغلاق المدينة وفصلها وتفريغ مواقع الالتقاء فيها (بسقط اللوى بين الدخول فحومل) وانما عندما اقفل الحوار. ثم عندما اقفل البرلمان. ثم عندما ابعد المحاور المدني ورئيس المجلس الاستاذ نبيه بري، وكلف مكانه مفاوضا وحيدا العماد ميشال عون، باللهجة العسكرية والتعابير التي جعلت محاوريه مجموعة من الحيوانات شبه الاليفة “كالواوية”، والمخلوقات الواقعة عليها لعنة الجنة، “كالزواحف”. وعندما عاد ورفعهم الى مستوى البشر، اعتبرهم مختلين مياومين، لا هاجس لهم كل يوم “سوى شخصيتي”، اي طبعا شخصية العماد الرئيس، وترفق فنصحهم باستشارة اطباء نفسيين.
لم تصر المعارضة على ان تسمي مفوضها في الحوار الذي يرعاه الدكتور عمرو موسى، بل اصر العماد عون عن ان يعين ايضا مندوب الاكثرية غير الشرعية: يريد سعد الحريري محاورا لا سواه، لكنه في الوقت عينه رئيس مقبل للوزارة.
ويرفض، وهو قائد الجيش في عهد الرئيس امين الجميل، ان يكون المحاور الرئيس السابق، لان الجميل لا يمثل شيئا ولا احدا “بل لا وجود له”.
هذه ليست قسوة في حق امين الجميل، هذه فظاظة في حق لبنان وفي حق الحوار. وهي فظاظة اخرى في حق الموارنة. وربما العماد عون غير منتبه كثيرا الى انه يفعل بالزعامات المارونية ما فعله الرئيس رفيق الحريري بالزعامات الاسلامية. فبعدما اسقطها جميعا بفعل موجته العارمة، تطلع حوله فرأى نفسه وحيدا. و”تبقى وحيدا وتندم” على ما هو عنوان احدى روايات الياس الديري.
كيف يريد عون ان يكون، في وقت واحد، الزعيم التمثيلي الوحيد وان يلغي جميع الممثليات الدينية والسياسية معا، من بكركي الى الكتائب؟ لا بد ان يبقى له من يمثله في هذه الناحية ايضا من البلاد. ليس من الضروري ابدا ان يكون النصر دائما على جثث الآخرين، في استطاعة المرء، في الحياة الديموقراطية، ان يرث الاحياء ايضا. فالسياسة حالة متقلبة ودهر غدار، والدليل انه بعد نحو قرن ونصف قرن في العمل اللبناني، اخفق امين الجميل في ان يرث بكره المقتول بالرصاص الصامت في الجديدة، المتن غير الاعلى، مهزوما امام مخلص جديد لم نعرف اسمه بعد.
ليس بيننا وبين العماد عون سوى شيء واحد: التعابير والمصطلحات التي ادخلها على الخطاب السياسي في لبنان، منذ لحظة عودته. لان الفرقة التي تحدثها الكلمة، لا ترتقي في الجوهر ولو تغاضى الناس في المظهر. ولا يمكن احدا ان يسمي الناس “واوية” و”زواحف” ومرضى عقليين في حاجة الى استشارة صحية، ثم يذهب في اليوم التالي للقائهم و”محاورتهم” ويبحث معهم في مصير البلد المرتبط هذه الايام بمصير الامة.
لقد كان جمال عبد الناصر ظاهرة عربية لا مثيل لها، لكن معظم الناس لا تتذكر منه الآن سوى احمد سعيد. وربما لو لم يكن هناك احمد سعيد و”صوت العرب” لعاشت الظاهرة في حياة الناس كما تستحق. لكن احمد سعيد حوّل اكبر ظاهرة شعبية في تاريخ مصر والعالم العربي ذكرى سب وشتم ويا صفتك ويا نعتك. وغابت وراء هذا المظهر السوقي الشارعي احدى اعمق وأصدق وأهم الحركات القومية الصادقة.
في ذروة شعبيته، لم يدرك عبد الناصر ان الشارع كثيب متحرك. تهب الريح فيهب وينتقل ذرة ذرة. ونسيت الناس السويس والسد العالي وبقيت في الذاكرة الفراغات اللفظية لأحمد سعيد.
عام 1942 ارسل احد قادة المقاومة الفرنسية بيار دو بروسوليه الى الجنرال ديغول في لندن رسالة هذا بعضها:
“يأتي وقت يتعين فيه علينا ان نقول لك بصوت عال ما تهمس به الناس خلف ظهرك بوجوه دامعة. ما يجب ان نقوله لك، من اجل مصلحتك ومصلحة فرنسا المناضلة، هو ان الطريقة التي تعامل بها الرجال وتمنعهم من معالجة قضاياهم، تثير القلق، بل الخوف الحقيقي. هناك مواضيع ترفض حيالها اي تفهم بل ترفض اي بحث فيها. وفي مثل هذه الحالات توحي لهجتك بان المعارضة التي يبديها محاوروك يمكن ان تنشأ فقط عن قلة في العقل او في الوطنية. انك بسبب ذلك، وسط كل مشاغلك اليومية، تصل الى مرحلة لا تواجه فيها سوى التطبيل الزحفي. لكنك تعرف بقدر ما اعرف الى اين قادت هذه الطريق الناس غيرك في التاريخ، والتي تهدد بأخذك انت ايضا”.
هكذا كتب بيار دو بروسوليه.