حملة سورية شعواء لإطلاق سراح رؤساء الأجهزة الأمنية الموقوفين في قضية اغتيال الحريري
مع اقتراب بدء عمل المحكمة الجزائية الدولية للبنان، وتاريخ احالة ملف التحقيق في قضية اغتيال الرئيس الحريري الى مكتب المدعي العام في المحكمة المذكورة بعد صدور تقرير لجنة التحقيق الدولية في شهر يونيو المقبل، بدأ النظام السوري يتحسس الخطر الذي يداهم رويدا رويدا مسؤوليه المتورطين في عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وفي العمليات الارهابية الأخرى المرتكبة في لبنان.
وهو لهذا السبب يسعى مذعورا مع الموالين له في لبنان، وعلى رأسهم “حزب الله”، وبكل ما أوتوا من قوة، من أجل اخفاء كل معلم من معالم الجريمة ومحو أي اثر أو اثبات قد يستخدم أو يطرح خلال المحاكمة الجزائية التي يقترب موعدها، وخصوصا بعد أن اكتملت تقريبا كل متطلبات المحكمة الدولية الخاصة للبنان ومنها خصوصا تأمين ضرورات التمويل وتعيين القضاة وتحديد مكان عمل هذه المحكمة.
وفي هذا السياق يريد النظام السوري ومعه “حزب الله” العمل على اخراج قادة الأجهزة الأمنية اللبنانية المتورطين في عملية اغتيال الحريري من مكان اعتقالهم ووضع اليد عليهم بأي ثمن من الأثمان مهما كبر وربما تصفيتهم، ذلك أن القادة الأمنيين المذكورين يشكلون خطرا كبيرا على النظام السوري في حال مثولهم أمام المحكمة الدولية الخاصة للبنان. ووفقا لمصادر أمنية ذات مصداقية عالية، فان المسؤولين الكبار في النظام السوري يعيشون الآن لحظات من الرعب والخوف والهلع ويخشون خشية كبيرة من أن يفشي الضباط الأربعة بكل ما بحوزتهم من أسرار ومعلومات وتفاصيل عن عملية اغتيال الرئيس الحريري في حال نفذ اجراء سوقهم أمام المحكمة الجزائية الدولية للبنان. ولهذا فهم يقومون الآن بحملة منظمة ومبرمجة في لبنان وفي خارجه لاظهار مسألة توقيف الضباط الأربعة احتياطيا وكأنها اجراء مخالف للاتفاقيات الدولية المعنية بحماية حقوق الانسان ولكل القوانين والأعراف الجنائية، أو اعتداء على هذه الحقوق ولاسيما على مبدأ قرينة البراءة، متناسين بذلك نصوص قانون الاجراءات الجزائية اللبناني الذي ينص صراحة على أن التوقيف الاحتياطي غير محدد المدة في مواد الجنايات الخطرة والجرائم الارهابية وجرائم القتل عمدا، وكذلك الكثير من القوانين الأجنبية أو الأوروبية التي تعتبر مهدا لحقوق الانسان والتي تنص على مدد طويلة (عدة سنوات) للتوقيف الاحتياطي في القضايا الجنائية الارهابية.
فعلى على سبيل المثال قد تصل مدة التوقيف الاحتياطي الى أربع سنوات في فرنسا (وفقا لقانون الاجراءات الجنائية الفرنسي) أو الى ست سنوات كحد أقصى في مواد الجرائم الخطرة في ايطاليا (عملا بقانون الاجراءات الجنائية الايطالي).
هذا بالاضافة الى أن التوقيف الاحتياطي غير محدد بسقف زمني أقصى في بعض البلدان الأوروبية كبلجيكا وألمانيا، دون أن يعتبر ذلك مخالفة لحقوق الانسان. ذلك أن خطورة الجريمة وما يتطلبه التحقيق في هذه القضايا من أعمال بحث وتحر لا يمكن انجازها في وقت قصير أو معقول، يبرران هذه المدد الطويلة للتوقيف الاحتياطي وحتى عدم تحديد أي مدة قصوى لهذا التوقيف.
ومن بين المحاولات التي يعتمدها النظام السوري و”حزب الله” في هذا المجال، استعمال “المال الحلال” من اجل نشر مقولة انتهاك السلطات اللبنانية لحقوق الانسان في ملف توقيف الضباط الأربعة على أوسع نطاق في أوروبا وخصوصا في فرنسا، وذلك على خطين متوازيين. فوفقا للخط الأول المرسوم، أستدعي رئيس جمعية الصداقة الفرنسية اللبنانية النائب الفرنسي جيرار بابت الى سورية منذ حوالي فترة الشهر والنصف حيث قابل الرئيس السوري بشار الأسد وعددا من المسؤولين السوريين الرفيعي المستوى مع وفد فرنسي مرافق، وتم الاتفاق مع النائب بابت خلال هذا اللقاء على أن يقوم بالمساعي اللازمة في فرنسا من أجل حث السلطات الفرنسية المعنية وجمعيات حقوق الانسان المدنية في فرنسا على التحرك من أجل الضغط على الحكومة اللبنانية بقوة للافراج عن الضباط الأربعة. ويقال في هذا الصدد أن النائب بابت حصل مقابل القيام بهذه المهمة على مبالغ مالية ضخمة من “حزب الله” في لبنان، وذلك بواسطة أصدقائه في “التيار الوطني الحر” وفي التجمع من اجل لبنان، وهم سيمون أبي رميا، المسؤول عن العلاقات الدبلوماسية في التيار الوطني، وايلي حداد رئيس التجمع من أجل لبنان في فرنسا، ونديم فريحة العضو الناشط في التجمع من أجل لبنان في باريس. كل هؤلاء لعبوا دور الوسيط بين النائب بابت و”حزب الله”.
ويذكر في هذا المجال أن النائب بابت وبعد أن زار دمشق عرج على لبنان، والتقى بالعماد عون وببعض المسؤولين في التيار ومنهم خصوصا صديقه سيمون أبي رميا. هذا الأخير قاد النائب بابت الى منطقة الضاحية الجنوبية معقل “حزب الله” حيث قابلا عددا من مسؤولي الحزب هناك. يضاف الى ذلك أن سيمون أبي رميا وايلي حداد ورفيق حداد(المساعد الأول لسيمون أبي رميا في باريس والذي يقوم بتأمين علاقات ممتازة بين أبي رميا وحزب التجمع الشعبي من أجل الجمهورية في فرنسا)، اضافة الى النائب جيرار بابت، يقومون حاليا بمساع حثيثة لدى عدد من المسؤولين الفرنسيين في وزارة الخارجية الفرنسية وفي الاليزيه وفي الجمعية الوطنية الفرنسية بهدف العمل على اطلاق سراح الضباط الأمنيين اللبنانيين الأربعة على أمل أن تقدم الحكومة الفرنسية على الضغط على السلطات اللبنانية لاخلاء سبيل هؤلاء المشتبه بهم في قضية اغتيال الرئيس الحريري، وذلك نزولا عند رغبة العماد عون ومقابل مبالغ مالية تم الحصول عليها من “حزب الله”(كما يقال).
أما على الخط الآخر الذي اعتمده النظام السوري لانجاح خطته، قامت السلطات السورية بممالأة النائبة الأوروبية بياتريس باتري، رئيسة لجنة العلاقات المشرقية في البرلمان الأوروبي، ومساعديها امانيال اسبانيول واللبناني مروان حبيقة وبتكريمهم واستقبالهم لمرات عدة بحفاوة غير معهودة في دمشق. كل ذلك تم تحت غطاء الدفاع عن حقوق الانسان في سورية، والتفاوض بشأن اتفاقية الشراكة الأوروبية مع النظام السوري. يذكر في هذا الخصوص أن النائبة باتري ومساعديها زاروا دمشق الكثير من المرات وأقاموا في فنادق فخمة على نفقة النظام السوري، وكانت الزيارة الأخيرة لباتري الى دمشق في سبتمبر الماضي حيث التقت مع وفد مرافق الرئيس السوري وعدد من المسؤولين المدنيين والروحيين ومنهم مفتي سورية أحمد بدر الدين حسون الذي زار البرلمان الأوروبي مؤخرا بناء على دعوة النائبة باتري. ويقال في هذا المجال أيضا أنه تم التباحث مع السيدة باتري في شأن توقيف الضباط اللبنانيين الأربعة من قبل القضاء اللبناني، وطلب منها بعض المسؤولين السوريين العمل على طرح قضيتهم في محافل البرلمان الأوروبي كقضية انسانية وكحالة من حالات الخرق الخطيرة لحقوق الانسان، مقابل مبالغ مالية مهمة حصلت عليها مع مساعديها (وفقا لمصادر لبنانية مطلعة).
يشار أخيرا في هذا المجال الى أنه من المحتمل أن يقوم النظام السوري، عبر مجموعات عميلة في لبنان، بعملية خرق أمنية أو عسكرية في صفوف قوى الأمن اللبنانية لاطلاق سراح الضباط الأربعة، وما قصة هرب بعض المساجين المركبة من سجن زحلة بتاريخ 24 فبراير الحالي الا مقدمة لتهريب رؤساء الأجهزة الأمنية السابقين من سجن رومية، وحلقة من حلقات هذا المخطط الجهنمي.
