#dfp #adsense

حروب القبائل المهزومة !حان الوقت لانتخاب رئيس

حجم الخط

حروب القبائل المهزومة !حان الوقت لانتخاب رئيس

راجح الخوري

 

قالها عمرو موسى ومشى. وسرت قشعريرة في امكنة كثيرة من هذا البلد البائس. ربما لان هذه الجملة التي جاءت بلهجة الجزم تمثل بداية كرة ثلج قد لا تلبث ان تتدحرج في اطار عودة مدعومة عربيا ودوليا الى انتخاب رئيس بالنصاب القانوني، اي بالنصف زائد واحد، مع ان مصادر في صفوف الاكثرية تقول ان مثل هذا الانتخاب مضمون بالنصف زائد عشرة وربما اكثر!


طبعا ليس هذا هو المهم. فالرغبة في عدم الذهاب الى انتخاب رئيس بهذا النصاب كانت نتيجة الحرص الذي ابدته قوى الاكثرية على ان تترك الباب مفتوحا على مداه للتوافق مع الشركاء في الوطن، وعلى ان يكون هذا الانتخاب مدخلا الى تسوية شاملة تعيد بناء الوحدة الوطنية.


واذا كان هناك من يتذكر الآن بكثير من الألم والعتب، مبادرة الرئيس نبيه بري في بعلبك والتي قامت على اساس استعداد المعارضة للتخلي عن نظرية الثلث المعطل في الحكومة في مقابل موافقة الاكثرية على انتخاب رئيس توافقي من خارج صفوف 14 آذار، فان نزول الاكثرية عند مسلسل الشروط المتدحرجة التي وضعتها المعارضة يمكن ان يرسم خطا بيانيا صريحا يؤكد وجود رغبة او قرار بافشال كل الحلول والوساطات. وان اتهام الاكثرية للمعارضة بانها تسعى مدفوعة بتدخلات خارجية لاقامة “فخامة الفراغ”، لم يكن ينطوي على اي مبالغة.


ها هو لبنان واقع في الفراغ حتى اذنيه. واذا كانت المبادرة العربية هي الاخيرة كما قال الرئيس حسني مبارك اول من امس، فمن العبث الحديث عن حلول او ملامح مبادرات جديدة. ويعرف الفرنسيون الذين سيعاودون تحركهم على ما يبدو، ان نصيبهم لن يكون في النهاية افضل من نصيب الجامعة العربية.


وليس خافيا على اللبنانيين والعرب وكل المهتمين بمعالجة هذه الازمة المستعصية، ان بقاء لبنان في الفراغ يعني في النهاية انه سينزلق حتما نحو الفوضى الامنية. ورغم حرص عمرو موسى والمتفاوضين معه على ضرورة السعي لمنع التوتر وانفجار الوضع، فان للطوابير الخامسة يدا اكثر قدرة على اشعال الفتن من نيات المتفاوضين او حرصهم على عدم الوقوع في الفوضى!


وعلى هذا الاساس قد يرى البعض انه ما دامت الامور ستذهب الى الفوضى في النهاية، وما دامت المعارضة تهدد بالشارع اذا تم الانتخاب بالنصاب القانوني، فلماذا لا يتم انتخاب رئيس اذا كانت الفوضى حاصلة في الحالين. وفوضى بوجود رئيس افضل من فوضى بلا رئيس!


في اي حال لقد وصلنا في البؤس الى درجة انه عندما تحدث الامين العام للجامعة العربية، عن “انجازات” حققتها المبادرة، كان بالتأكيد يقصد انه تمكن اخيرا من ترتيب اربع جلسات لحوار الطرشان (!) وهذا قد يشكل، ويا لمرارة السخرية، اعجازا لا انجازا ويستحق عليه موسى جائزة نوبل للسلام مثلا.


اما البحث عن الحلول فانه “يحتاج الى مساع عربية واقليمية جدية”، بما يعني ضمنا ان كل المساعي العربية والاقليمية لم تكن جدية حتى الآن.


ولكن كيف يمكن المراهنة على هذه المساعي عندما تعلن دمشق تكرارا، انها ترفض ربط موضوع القمة بالازمة اللبنانية، وانها ستعقد هذه القمة بمن حضر، وأهم من كل هذا، انها تعتبر ان مصالحها في لبنان تكتسب اولوية تتقدم على استضافة القمة؟!

 

اذا كان موسى يتخوف من “الخطر الذي تنذر به الاوضاع اللبنانية وقد بات مقلقا للغاية ولبنان هو مجسم مصغر لوضع المنطقة”، بما يعني ان النار اللبنانية يمكن ان تحرق المنطقة وتعلق بأذيال الكثيرين فيها، فان ذلك يعني صراحة ان الازمة اللبنانية لا ترتبط في العمق بأمور “المشاركة” أو حتى بالأحلام الاسترآسية المهتاجة جدا، او بالحصص والارقام وما الى ذلك من الشروط المنهالة مثل شلالات الغضب الساطع، بل ترتبط بعمق الصراع الاقليمي والدولي على هوية لبنان وموقعه واصطفافه في المواجهة الاستراتيجية الواسعة التي تقسم المنطقة كلها تقريبا.


واذا كنا الان في اوج المعركة الطويلة المعلنة صراحة في ايران وهدفها إلحاق الهزيمة بأميركا في لبنان، كما قيل تكرارا، فان ابسط شروط هذه المعركة السعي الى اقامة دولة تنخرط في المعركة كليا، وهذا يعني في بساطة تغيير مفهوم الدولة كليا في لبنان!


ربما على اساس هذه النظرية لم يتردد عمرو موسى في قرع جرس الانذار صراحة عندما حدد الاسباب العميقة والمخيفة التي تمنع الحل في لبنان وتعترض التسوية. ولعل ما قاله في هذا السياق هو اخطر كلام ادلى به قبل ان يغادرنا:
“هناك عقبة تتمثل في الرغبة باستبدال مبدأ لا غالب ولا مغلوب بمبدأ ان احدهم يجب ان يكون غالبا، المعارضة او الاكثرية. وفي رأيي انه لن يستطيع احد منهما ان يهزم الآخر”!


هذا كلام يبشر بحرب مجنونة قد تندلع في اي لحظة بين القبائل اللبنانية. وبالتأكيد ليست هذه عقبة كما وصفها بل انها كارثة، ولا حاجة الى البحث عمن يريد ان يسقط مبدأ لا غالب ولا مغلوب فالامور واضحة تماما عند معظم الناس. لكن العمى كامل هو في عيون كل من يظن انه يستطيع ان يشعل حربا بلهاء في لبنان وان يخرج منها منتصرا وكل تاريخ الدم عندنا لم يكتب النصر او الهزيمة لأحد!

المصدر:
النهار

خبر عاجل