سترك يا ربّ !
راجح الخوري
تدنّت طموحات اللبنانيين الى درجة تثير الشفقة. فبعد النماذج التي شاهدها الناس كمسطرة نارية عما يمكن ان يشعل البلاد في لحظة ويعيدنا الى العصفورية الانتحارية، وبعد فشل المبادرة العربية ويأس العالم منا تقريباً، يضع المواطنون أيديهم على قلوبهم ويهمسون: سترك يا رب.
ومن يقرأ التصريحات والتحليلات في الصحف أمس يمكن ان يصاب بالذهول لمجرد وجود مؤشرات تتحدث عن “الارتياح”.
ولماذا الارتياح من غير شر؟
لأنه بعد مرور أربعة أيام على مغادرة الامين العام للجامعة العربية بوجه ممتقع ويأس عميق، لم تخرب الدنيا في البلاد، ولم تشتعل الاضطرابات والمواجهات، ولم ترتفع ألسنة الحرائق، لأن السجالات والحملات الاعلامية بين الاكثرية والمعارضة انحسرت نسبياً، وهو ما فسره البعض بأنه يمثل التزاما للتعهدات التي تبادلها الفريقان في الجلسة الرباعية الاخيرة التي كرست سقوط المبادرة العربية او تعليقها كما يحب البعض ان يقول.
ولكن هذا الانحسار لا علاقة له بالامانة او بالحرص على التعهدات المشار اليها، بمقدار ما له علاقة بالخوف من الآتي، وقد يكون الآتي أعظم لا سمح الله. أو أن هذا الانحسار يمثل الهدوء الذي قد يسبق العاصفة !
نعم، تدنت طموحات هذا الشعب المسكين الى درجة اقامة ما يشبه صلوات استسقاء العقل، كي لا تتحول العصفورية السياسية التي دفعت لبنان الى حافة الهاوية عصفورية أمنية تشعل من الفتن والحروب ما يمكن ان يحرق الاخضر واليابس، إن كان قد بقي شيء من هذا.
نعم، تدنت طموحات هذا الشعب المسكين الى درجة اقامة ما يشبه صلوات استسقاء العقل، كي لا تتحول العصفورية السياسية التي دفعت لبنان الى حافة الهاوية عصفورية أمنية تشعل من الفتن والحروب ما يمكن ان يحرق الاخضر واليابس، إن كان قد بقي شيء من هذا.
كل الطموح “سترك يا رب”. ونحن بالكاد خرجنا من حرب استمرت عقدين من الزمن وأخرت البلاد نصف قرن وأكثر. ورغم أن الازمة الاقتصادية المعيشية تكاد تخنق معظم اللبنانيين، فاننا عدنا الى الشعار الذي ازدهر أيام المحنة وما بعدها أي طلب الأمن قبل الرغيف !
هذه طموحات الضحايا او المستعبدين او أهل المعتقلات عندما يصير الجوع مع الامن أفضل من الرغيف مع حروب القبائل المجنونة !
الامن فحسب في وقت تجاوز الجنون الخطوط الحمر، وهذا ما دفع معظم الدول علناً أو سراً الى اسداء النصح الى رعاياها بتجنب لبنان وبالتزام الحذر الشديد فيه. وهذا يعني أننا سنواجه تصاعدا خانقا في الازمة الاقتصادية.
واذا تذكرنا أن الحملات التي تشن في بيروت، بتكليف خارجي طبعا، ضد بعض الدول العربية ستؤدي ولو نسبيا الى تطفيش الاستثمارات ووقف المشاريع، وهناك حديث الآن عن سحوبات من الايداعات الخليجية وصلت الى حدود خمسة مليارات دولار، يصبح في الامكان رؤية الكارثة التي تتهدد اللبنانيين جميعا بالعين المجردة، وكأنه لا يكفي اننا نجحنا في تطفيش أبنائنا وأشقائنا في اطار موجة هجرة مخيفة، فها نحن نطفش الودائع والاستثمارات العربية والاجنبية طبعاً.
واذا كان النائب ميشال المر قد صرح أمس بأن المبادرة العربية ما زالت قائمة وانها قطعت نسبة 90 في المئة من الحل، فإنه يعرف ضمنا ان من غير الممكن الحديث عن فشل نهائي لهذه المبادرة، بما قد يدفع الجنون سريعا الى الواجهة.
ويعرف المر ايضا ان المشكلة تكمن عمليا في نسبة الـ10 في المئة الباقية التي تعني تحديدا التمسك بالثلث المعطل، وهي نسبة كان يمكن تجاوزها بسهولة لو استعارت المعارضة، وتحديدا العماد ميشال عون، عقل أبو الياس أو قراءته لبنود المبادرة العربية، حيث قال أمس: “عندما نقرأ بنود المبادرة بلغة عربية سليمة، نفهم انها لا تعطي أي فريق حق التعطيل لا للمعارضة ولا للموالاة. وعندما تتمسك المعارضة بالثلث المعطل وتقول انها مع المبادرة فهذا يعني التناقض بعينه مع المبادرة التي لا تعطي حق التعطيل لأحد، فاذا أخذت المعارضة 10+1 تكون قد انتصرت، واذا أخذت الاكثرية ما تطالب به تكون قد انتصرت ايضا”.
ولكن اذا تذكرنا كلام عمرو موسى عن وجود رغبة في اسقاط مبدأ لا غالب ولا مغلوب، يمكن ان نفهم تماما ان نسبة الـ10 في المئة كافية لشنق المبادرة العربية وافشال كل الحلول كما حصل حتى الآن، وهي كافية ايضا لدفع اللبنانيين مرة جديدة الى الحروب والفتن. لذلك، وفي انتظار حدوث معجزة العقل والتعقل، من الطبيعي ان تتدنى طموحات اللبنانيين البؤساء الى حد طلب السترة ليس أكثر.