المعارضة فوّضت عون التفاوض مع الأكثرية لإعادة تعويمه سياسياً وشعبياً
أحداث مار مخايل أضرّت بشعبية التيار والمشاركة المسيحية في 14 شباط كانت أقوى مؤشّر
أحداث مار مخايل أضرّت بشعبية التيار والمشاركة المسيحية في 14 شباط كانت أقوى مؤشّر
معروف الداعوق
حاولت المعارضة جاهدة وبإيحاء من دمشق، دفع رئيس التيار الوطني الحر، النائب ميشال عون الى واجهة الحركة السياسية الدائرة وتقديمه كمفاوض باسمها مع الاكثرية لحل الازمة القائمة التي تعصف بلبنان، لتعويضه زخماً سياسياً افتقده في الآونة الاخيرة بفعل استئثار حزب الله ورئيس المجلس النيابي نبيه بري بحركة الحوار والاتصالات الجارية مع تحالف قوى 14 آذار، منذ نشوب الازمة من جهة، ولإعادة ترميم القاعدة الشعبية المسيحية التي تآكلت من حوله استياء من تحالفاته السياسية وسلوكه في التعاطي السياسي العام، كما ظهر ذلك بوضوح من خلال نتيجة التصويت التي جرت في الانتخابات النيابية الفرعية في المتن الشمالي العام الماضي، والتي فاز فيها مرشح التيار الوطني الحر بفارق ضئيل جداً على منافسه الرئيس أمين الجميل خلافاً لما كان الحال عليه في الانتخابات النيابية العامة التي جرت قبل ثلاث سنوات وكان الفارق فيها بآلاف الأصوات لصالح مرشحي التيار الوطني الحر على منافسيهم الآخرين من جهة ثانية·
ولكن الهدف غير المعلن من خلال إصرار المعارضة على تفويض العماد عون للتحاور مع الاكثرية هو تحقيق أحد أمرين، فإما أن ترفض هذا الطلب، استناداً الى العلاقة المتردية التي تسود بين التيار الوطني الحر وأطراف الاكثرية منذ ثلاث سنوات، وإما أن تبقى جلسات الحوار القائمة تدور في حلقة مفرغة ومن دون التوصل الى أي نتيجة وهو ما حصل بالفعل في جميع جلسات الحوار الطويلة والمعقدة، لانه لم تعط للعماد عون صلاحية البت بالطروحات المعروضة والتقرير النهائي لمشاريع الحلول المطروحة للازمة القائمة·
وكانت النتيجة التي خططت لها المعارضة، وهي تعطيل مبرمج لكل مساعي حل الازمة القائمة وإطالة أمد الفراغ الرئاسي في لبنان، من خلال توزيع مدروس لإدارة الحوار مع الاكثرية، تارة من قبل الرئيس نبيه بري وطوراً من قبل العماد ميشال عون ولكن في كلتا الحالتين من دون أي جدوى·
ومهما حاولت المعارضة تعويض العماد ميشال عون الضرر السياسي اللاحق به وإعادة تعويم الحالة الشعبية التي اكتسبها منذ عودته الى لبنان قبل ثلاث سنوات، إلا أن هذه المحاولات اصطدمت في الآونة الاخيرة بواقعتين بارزتين لهما أكثر من مدلول على الصعيدين السياسي والشعبي· الواقعة الاولى والتي تسببت بها المعارضة، عندما اندفعت التظاهرة الفوضوية التي نظمها حزب الله وحركة أمل وحلفاء النظام السوري في منطقة مار مخايل قبل اسابيع، باتجاه المناطق ذات الغالبية المسيحية في عين الرمانة والجوار وما تسببت به من أعمال شغب وتعديات على سكانها واصطدام المتظاهرين بوحدات الجيش اللبناني المكلفة بحفظ الامن والنظام في هذه المناطق، مما أعاد بقوة صورة الحرب الاهلية البشعة التي عاشها اللبنانيون وسكان هذه المناطق تحديداً، وما كادت تتسبب به من تفاعلات وتداعيات خطيرة على السلم الاهلي لو لم يتم تداركها وتطويقها بأقصى سرعة ممكنة ووضع حد لكل ما نتج عنها·
فهذه الواقعة هي من افتعال المعارضة ضد الامن والاستقرار العام في البلاد، وليست لتحقيق مطالب محقة وإن تسترت بها، وكذلك لم يكن أي طرف من تحالف قوى 14 آذار، مشاركاً فيها أو في موقع المواجهة مع الآخرين أو متسبباً بنشوبها، مما أضعف حجة منظمي هذه التظاهرات الفوضوية المتنقلة تارة في شوارع العاصمة وبشكل استفزازي ضد أهاليها، وانتهاء بما حصل في منطقة مار مخايل الاخيرة· فالضرر الذي تسببت به هذه الاحداث الفوضوية، في نفوس سكان عين الرمانة والجوار، والصورة السوداء التي استحضرتها، بلا مقدمات، أو مبررات مقبولة، تركا أثراً بالغاً، ليس لدى هؤلاء فقط، وإنما لدى أكثرية المسيحيين واللبنانيين في سائر المناطق الاخرى، وأحدث نقزة كبيرة في نفوسهم، وأظهر أن كل ما يطرح من شعارات لتبرير التحركات الفوضوية إنما كان مزيفاً، وإن كل ما يقال وينسج على ورقة التفاهم الموقعة بين حزب الله والتيار العوني، ليس له أي مفعول ميداني واقعي على الارض، بل كان مجرد أوهام لا ترتكز الى أي مضمون، وهدفها استغلال مكشوف للحالة المسيحية السياسية من اجل تحقيق الاهداف الاقليمية السورية – الايرانية المشتركة على حساب مصالح لبنان كدولة مستقلة ومصالح الشعب اللبناني في الوحدة والاستقرار·
أما الواقعة الثانية، فقد تجلت بالمشاركة المسيحية الواسعة، في الذكرى الثالثة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط، وأظهرت بوضوح مدى التفاف قسم كبير من الشرائح المسيحية حول شعارات ومبادئ تكريس مسيرة السيادة والاستقلال، على الرغم من كل محاولات التهديد وجرائم الاغتيال الإرهابية التي حصلت خلال السنوات الثلاث الماضية ضد الرموز والقيادات السياسية والإعلامية الاستقلالية اللبنانية، فيما أظهرت ردود الفعل من قبل المعارضة، إن كان من خلال التقليل من أهمية المشاركين في هذه الذكرى، سياسياً أو شعبياً، أو من خلال برمجة التعديات المتواصلة على المشاركين واستفزازهم قبل وبعد موعد الذكرى، مدى القلق الذي اصابها والاستياء البالغ من الاكثرية والخشية من ترجمة هذا الالتفاف والتأييد الشعبي الواسع للطروحات الاستقلالية في إضعاف النهج السياسي للمعارضة في المواجهة السياسية القائمة في البلاد·
فمهما حاولت المعارضة إعادة ترميم حالة العماد ميشال عون سياسياً من خلال دفعه كمحاور سياسي مع الاكثرية، إلا أن شظايا أحداث مار مخايل وعين الرمانة، فعلت أثرها السلبي، ويضاف إليها ممارسات المعارضة السلبية في احتلال وسط بيروت وشعاراتها التحالفية مع سوريا على حساب مبادئ السيادة والاستقلال، كل هذه الوقائع لن تفيد في إعادة تعويم حالة العماد ميشال عون لاستكمال مخططات وأهداف المعارضة على حساب لبنان الوطن ومصالح شعبه·