#adsense

مواقف عون تثير استغراب أوساط سياسية واقتصادية وشعبية

حجم الخط

مواقف عون تثير استغراب أوساط سياسية واقتصادية وشعبية
وضع الشروط المسبقة على الاستحقاق سابقة تقيّد المرشحين

اميل خوري 

  

تبدي أوساط سياسية واقتصادية وشعبية عتبا بل استغرابا لمواقف العماد ميشال عون التي يرفع بها سقف مطالبه فينتهي الامر ليس بخسارة تصيبه شخصيا فقط، بل تصيب لبنان ايضا.


وتعود الاوساط نفسها الى يوم كان العماد عون في قصر بعبدا رئيسا لنصف حكومة، واستدرج الى حرب مع سوريا سميت “حرب التحرير” تخلصا من وجود القوات السورية في لبنان، وذلك في وقت كان الرئيس حافظ الاسد في اوج قوته محليا وعربيا ودوليا، فكانت النتيجة ان خسر العماد تلك الحرب. وهو ما كان متوقعا لانها حرب اكبر منه وتكبدت ما كان يعرف بالمناطق الشرقية خسائر بشرية ومادية فادحة، في حين كان عليه تجنب تلك الحرب غير المتكافئة حتى ولو كانت سوريا هي المعتدية، وان ينتظر كي يحدد هو المكان والزمان المناسبين للدخول فيها. ثم كان ما سمي “حرب الالغاء” بينه وبين “القوات اللبنانية” ولم يسمع نصائح من طلبوا منه تجنب تلك الحرب مهما كلف الامر لانها ستكمل تدمير ما دمرته “حرب التحرير” داخل البيت الواحد في “المناطق الشرقية” فكانت النتيجة ان ادت به الحروب الخاسرة الى ابعاده من البلاد قسرا ونفيه خمس سنوات في باريس، وعقب ذلك صدور احكام بسجن قائد “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع فكانت بداية شعور المسيحيين بالاحباط ان لم يكن هذا الشعور قد بدأ مع اغتيال الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل.


وكانت للعماد عون، وهو في منفاه الباريسي، مواقف وطنية زادت شعبيته، سواء ما يتعلق منها بمطالبته المتكررة بانسحاب القوات السورية من لبنان، او بالتنديد بالسلطة الخاضعة للوصاية السورية التي تلاحق محازبيه وتقمع تظاهرات الاحتجاج التي يقومون بها وتزج بهم في السجن، ويعترض بشدة على التحقيقات التي تقوم بها الاجهزة الامنية والقضائية ويشكو من فقدان العدالة، ومن وجود الجزر الامنية ومن وجود سلاح خارج الشرعية.


لكنه راح مع الوقت، يميز مواقفه عن مواقف القادة المسيحيين الذين يلتقون معه على مطالب واحدة ويرفعون شعارات واحدة. وكان أول هذه المواقف بسقفها المرتفع، اعتراضه على البيانات التي كانت تصدر عن “لقاء قرنة شهوان” وتطالب بانسحاب القوات السورية الى منطقة البقاع تمهيدا للانسحاب الكامل، لانه يريد من هذا اللقاء ان يطالب بالانسحاب الكامل، وليس بالانسحاب الجزئي الى البقاع، مع علمه ان القول شيء والفعل شيء آخر، وكان يبرر موقفه المتشدد بالقول ان سقفه اعلى من سقف “لقاء قرنة شهوان” كي يزايد شعبيا على اركان هذا اللقاء.


وعندما عقد “لقاء البريستول” جرت اتصالات لاقناعه بالانضمام اليه ليكون من اركانه خصوصا ان المبادئ والمطالب واحدة، لكن العماد عون، لتبرير عدم انضمامه الى هذا اللقاء، وضع شرطا يعرف سلفا، خصوصاً في تلك الظروف، انه تعجيزي هو ان يصدر بيان يدعو الى نزع سلاح “حزب الله” ولانه يرفض ان يكون في البلاد سلاح غير سلاح الدولة، فظل خارج ذاك اللقاء كي يظل يغرد وحده.


وعندما تقررت عودته الى لبنان تبين من خلال تصريحات واحاديث ومعلومات القريبين منه ولا سيما منهم الياس الزغبي وايلي بجاني وروجيه عزام وفايز القزي ان ثمة صفقة عقدت معه وكانت شرطا لتأمين هذه العودة، وتقضي هذه الصفقة بالابتعاد عن قوى 14 آذار في الانتخابات النيابية وعدم تأليف لوائح معها لا سيما مع رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وعمد لتبرير ذلك الى طلب زيادة حصته من المرشحين في اكثر من دائرة كي يأتي الرفض من قوى 14 آذار ويصور نفسه امام الرأي العام ولا سيما المسيحيين ان هذه القوى تمارس ضده سياسة العزل ليكسب عطف الناخبين واصواتهم، وهو ما حصل فعلا، بحيث انه لم يصدق شخصيا انه فاز بالعدد الذي فاز به من المقاعد النيابية في الجبل وتحديدا في كسروان.


اما وقد حصل ما حصل، فان الاوساط نفسها لم تكن تتوقع ان يكون موقف العماد ميشال عون مساندا لموقف “التحالف الشيعي” في عرقلة انتخابات الرئاسة الاولى وان يبلغ تفاهمه مع “حزب الله” حد ابقاء اعلى منصب ماروني في الدولة خاليا والى اجل غير معروف، وان يشترك مع هذا الحزب في وضع الشروط التعجيزية وعندما سأله النائب سعد الحريري في الاجتماع الرباعي هل يقبل ان توضع عليه هذه الشروط لو كان هو من سينتخب رئيسا للجمهورية مكان العماد ميشال سليمان، فاكتفى بالقول ان هذا موقفه وهذه شروطه.


ويتساءل مرجع ديني: افلا يشكل وضع هذه الشروط سابقة خطرة تواجه كل استحقاق رئاسي وتجعل هذا الاستحقاق خاضعا للابتزاز والمساومة كل مرة، فإما ان يخضع لها المرشحون والا فلا انتخابات؟ ولماذا توضع مثل هذه الشروط عند انتخاب رئيس المجلس وعند تسمية رئيس الحكومة، كأن ترفض تسميته ما لم تعرف سلفا كيف سيشكل الحكومة؟!
وهل يعقل ان تواجه البلاد في كل استحقاق رئاسي ما تواجهه اليوم، فيصبح هذا الاستحقاق معرضا للتعطيل والمؤسسات للشلل؟ وما الذي يمنع اي اقلية معارضة في المستقبل ان تحذو حذو المعارضة الحالية سواء بدافع سياسي داخلي او بايعاز خارجي؟ افلا تشكل، من جهة اخرى، المطالبة بـ”الثلث المعطل” سابقة خطرة تحول دون تشكيل حكومات متجانسة ومنسجمة لتكون منتجة وفاعلة؟ أفلا تشكل ايضا “الديمقراطية التوافقية” نقيضا للنظام الجمهوري البرلماني الديموقراطي الذي تحكم فيه الاكثرية والاقلية تعارض؟ وهل يمكن ان تشهد البلاد حالة استقرار سياسي وامني واقتصادي اذا كان من حق اي مذهب ان يقرر مصير كل حكومة اذا استقال ممثل هذا المذهب منها؟ فاذا كانت المعارضة تعمل لمصلحة الشعب كما تدعي، فان هذه المصلحة تقضي بان يتم انتخاب رئيس للجمهورية قبل اي شيء آخر وبدون شروط مسبقة، فعملية البناء لا تبدأ من السقف بل من الاساس. وتاريخ لبنان السياسي لم يسجل، ولا مرة تشكيل حكومة قبل انتخاب رئيس للجمهورية. والمعارضة كانت تشارك في انتخاب الرئيس من دون ان تشارك في الحكومة او تضع شرطا  هو تحقيق المشاركة فيها.


وتمنى المرجع نفسه على العماد ميشال عون ان يعيد النظر في مواقفه من اجل لبنان وليس من اجل اي جهة اخرى لان ما يفعله الآن، وخلافا للاصول الدستورية، قد يفعله سواه معه او مع غيره، ويدفع لبنان واللبنانيين غاليا ثمن هذه المواقف، فهل يستجيب رئيس “تكتل التغيير والاصلاح” ويجعل التغيير يبدأ من مواقفه بالذات كي يسجل له التاريخ تضحياته في سبيل لبنان ولخدمة اللبنانيين، لا ان تظل هذه المواقف تضحي بلبنان وشعبه خدمة للآخرين؟ لكن جواب العماد عون جاء في حديثه التلفزيوني مع الزميل مرسيل غانم وهو انه لن يسهل انتخاب رئيس للجمهورية، ما لم يتم تشكيل حكومة يكون للمعارضة فيها “الثلث المعطل”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل