#dfp #adsense

ثلاثـــة دروس مؤلمـــة

حجم الخط

ثلاثـــة دروس مؤلمـــة

مروان اسكندر

 

ترتهن معدلات النمو اليوم في البلدان الناجحة اقتصاديا، كالصين والهند وروسيا، بثلاثة مؤشرات: حجم الاستثمار الآتي من الخارج، معدل زيادة الانفاق الاستهلاكي ومعدل الادخار من أجل الاستثمار.
هذه المعايير الثلاثة تعاني تقهقراً في لبنان. فالتدفق الاستثماري – عدا تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج – تقلصت بسبب عامل اللاثقة سياسيا واللاثقة اداريا بنزاهة عمل دوائر الدولة، كما ان زيادة الاستهلاك كانت مثقلة بتزايد تكاليف المعيشة من دون توسّع فرص العمل داخليا، والاستثمار الوحيد الذي نشهده يبرز في مجال المضاربات العقارية.
لا شك في ان واقعنا المحزن هو من صنع ايدينا، بل من صنع سياسيينا، نواباً كانوا، أم وزراء، أم قادة احزاب وحركات، أو ملتزمي تصريحات.


ثلاثة امثلة واقعية تبين كم نحن متأخرون عن ركب تطوير البلد.
المثل الاول: تحتاج سوريا الى زيادة طاقة انتاج الكهرباء فيها، وثمة اتجاه الى استعمال الغاز الطبيعي كمصدر للطاقة، لسببين رئيسيين: انخفاض كلفة الغاز نسبياً عن كلفة الفيول اويل المشتق من النفط الخام، وانخفاض نسبة التلوث من استعماله الطبيعي. ومن المعلوم ان سوريا تنتج الغاز الطبيعي، لكنها ستبدأ ايضا بتسلمه عبر مشروع ربط صادرات الغاز من مصر بالأردن وسوريا ولبنان.


وقد أقرت سوريا مبدأ تولي القطاع الخاص انجاز محطات توليد الكهرباء، وحققت تطوراً سريعاً في هذا المضمار خلال الاشهر الستة المنصرمة. كما ان الهيئات الدولية، ومنها اليد الاستثمارية للبنك الدولي، تشارك في دراسة هذه المشاريع وإطلاقها والاستثمار فيها، علما بان اهتمامات المسؤولين الكبار في هذه الهيئات تشمل لبنان أيضاً، لكنهم يؤكدون ان التجاوب في سوريا افضل وتشجيع التخصيصية أوضح، والقرارات الحكومية أسرع. وفي حين قدم البنك الدولي خطة كاملة لقطاع الكهرباء في لبنان منذ عام 1996 ولم يتحقق منها ما يدعو الى الارتياح، تقدمت خطوات تنفيذ المحطات الثلاث في سوريا بسرعة تنبئ بانجاز هذه المحطات خلال 30 الى 36 شهرا.


درس آخر أقرب واشد ايلاماً.  رئيس رابع أكبر شركة للاتصالات في العالم كويتي الجنسية محب للبنان وفخور بأن شركته تجاوزت في حجم مشتركيها شركة “فرانس تيليكوم” وأوجدت تحالفا استراتيجيا مع أكبر مصرف كويتي يوازي حجمه نصف حجم القطاع المصرفي في لبنان ويحقق ارباحا تفوق بنسبة 35 في المئة ارباح القطاع المصرفي اللبناني بكامله. كان هذا الرجل يريد ان يجعل لبنان مركز انطلاق شركته عالميا، لكنه يقول إن الظروف السياسية والمخاوف الامنية تمنعه من تحقيق ذلك ويشكو من المعاملات الروتينية مع دوائر الدولة ومن ضعف سوق الاوراق المالية في البلد.


فلو ان ظروف لبنان سمحت بتكريس موقع الادارة العامة للشركة المعنية في لبنان لتوافرت فرص عمل لنحو 2000 فني إن في مجال الاتصالات أو الادارة المالية أو في الحملات الفنية الاعلانية، الخ.


مثل ثالث عن خسارة لبنان بسبب مناخ اللاثقة سياسياً وامنياً الذي يفوح منه.


لقد أصدرت بريطانيا تشريعاً سيصبح ساريا من تاريخ 5 نيسان المقبل. هذا التشريع يعتبر كل مقيم في بريطانيا أكثر من سبع سنوات، وإن بصورة متقطعة، بمثابة المقيم ضريبيا. وتالياً، إن لم يكن موظفاً خاضعاً للضرائب البريطانية العادية، يواجه ضرائب سنوية بمعدل 30 الف جنيه عن كل فرد بالغ من افراد عائلته، كما ان عليه ان يسدد الضرائب عن اعماله وممتلكاته في الخارج، وإذا حاول التهرب عبر شركات تؤسس في مناطق ضرائبها مخفوضة او غير موجودة، يصبح الشخص المعني معرضا لدفع غرامات مالية هائلة.


في لندن أكثر من الف لبناني يعملون في مجالات الاستثمار والأسواق المالية، وفي مجال الانشاءات الدولية، وتجارة النفط والمواد الاولية، وتجارة الالماس، وفي مجال المشورة الفنية إن على المستوى الهندسي أو القانوني.
وهناك، اضافة الى اللبنانيين، الوف من المواطنين العرب السوريين والعراقيين، على سبيل المثال، كلهم سيبحثون عن موقع مناسب للعيش والعمل خارج بريطانيا وسيسعون الى شراء الشقق للإقامة، وسيبحثون عن مدارس للأولاد ومكاتب للمؤسسات.


جميع هؤلاء، وفي زمن الطفرة النفطية التي توفّر لهم مجالات العمل والثراء في المقام الاول، كانوا يقبلون على لبنان للإقامة والعمل والاستثمار ومد جسور العلاقات مع المؤسسات الدولية.


لكن ظروف لبنان السياسية والأمنية والإدارية لن تشجع هؤلاء المهاجرين قسراً من لندن على التوجه الى عاصمتنا باستثناء نذر يسير ممن سيقررون التقاعد بعد جهود طويلة ونشاط مرير. لكن اصحاب المبادرات الناجحين لن يأتوا الى لبنان وسوف يسعون الى الاقامة في الاردن ودبي وقطر، وبصورة خاصة في مصر اذا تحسنت سرعة اتخاذ القرارات وتنشيط الخدمات الحكومية.  وتاليا، سيكون لبنان أقل المستفيدين، سواء من طفرة المداخيل النفطية، أو من هجرة رجال الاعمال اللبنانيين والعرب قسرا من لندن، أو من مبادرات الاستثمار التي تشجعها الهيئات الدولية.


السؤال هو: من يريد للبنان الانحدار الى مراتب الدول المتأخرة والعاجزة؟  ومن يريد ضياع بوصلة الانجاز وخصائص التميز والإبداع؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل