أبعد من “يو إس إس كول”
علي حماده
لا تقل وحشية بعض الانظمة العربية عن الوحشية الاسرائيلية المتفجرة في غزة هذه الايام. فقد نال الشعوب العربية والاسلامية غير العربية على مر العقود الماضية من “مآثر” الانظمة ما لم تنله من الجزار الاسرائيلي طوال الفترة عينها، أي منذ ثلاثينات القرن الماضي الى اليوم. ويكفي مجرد احصاء بسيط لـ”مآثر” بعثي العراق وسوريا ايام صدام حسين وحافظ الاسد وابنه في حق شعبي العراق وسوريا تقتيلا وابادة جماعية وارهابا وسجنا لاهل الرأي. ويقابله احصاء بسيط آخر لـ”مآثر” الجهتين المذكورتين في شن الحروب والتسبب بقتل مئات الآلاف من ابناء الشعب وتبديد ثرواته. هذا عراقياً، اما سورياً، فحمامات دم فلسطينية ولبنانية في لبنان على مدى ثلاثين عاما وصولا الى قتل زعماء وقادة بالجملة ، وفي الفترة نفسها تصدير ارهاب منتظم لقتل اهل العراق على الطرق وعلى ابواب المدارس وفي قلب الاسواق. وعندما نتحدث عن شعوب اسلامية غير عربية، انما نعني الشعب الايراني وما تعرض له منذ 1979 امام محاكم التفتيش ” الخلخالية ” بداية، وصولا الى قتل المثقفين ازواجا في منازلهم قبل ثلاثة اعوام. (ألا تذكرون تلك النمطية في قتل مثقفي اليسار من الشيعة في لبنان خلال الحرب وفي مقدمهم حسين مروة الضرير ابن الثمانين؟).
لا نقول هذا في محاولة للتقليل من هول المجزرة الرهيبة في قطاع غزة، والتي يقوم بها الاسرائيلي، الذي لا يحتاج، وخصوصا على الصعيد الفلسطيني، الى ذرائع لكي يكمل مشروعه في محاولة دفن الاستقلال الوطني وفكرة الدولة. ولكنه في الوقت عينه يستغل حالة فلسطينية شاذة شبيهة في شكل او آخر بمثيلتها اللبنانية لكي يزيد منسوب التوحش والتدمير، ضاربا عرض الحائط كل ما جرى التزامه، في انابوليس. وهذا هو الهدف: التهرب الدائم من العملية السلمية التي لا تقود إلا الى نشؤ دولة فلسطينية. ومن هنا هذه الحاجة الاسرائيلية الى ممارسة التدمير المنهجي لكل مشروع جدي للسلام في المنطقة.
ذلك هو خبز أنظمة عربية، ان يستمر الارهاب الاسرائيلي في تغذية الخطاب الشعبوي المتخلف الذي يعرف اصحابه انه مبني على شعارات كاذبة وبطولات وهمية، همها الاول السلطة، والسيطرة على الداخل لا طرد المحتل. وعندما يحدث ان يطرد المحتل كما حصل من خلال الاتفاق الضمني للانسحاب الاسرائيلي عام 2000، يحار هؤلاء في طريقة اعادة استدراج الاحتلال الى الداخل على النحو الذي حصل عام 2006 عندما ورط حزب فئوي في لبنان بلدا ومنطقة بكاملها في حرب اتت كارثية على لبنان بأسره. وهنا تحضرنا كما في مثال غزة اليوم، مسألة الضحايا: ففي حرب 2006 لم يرف لـ”حزب ولاية الفقيه” جفن عندما قتل اكثر من 1300 مواطن لبناني جلّهم من بيئته. وخوفنا أن يتكرر الامر مع “حماس”، فتواصل سياساتها التي تصنع في الخارج، فتزيد معاناة الشعب دون سقوف، ولا يخفف منها عقد خالد مشعل مؤتمرات صحافية دمشقية، وادعاء مخبول من محمود احمدي نجاد أن ايران اقوى دولة في العالم.
والآن، ماذا عن المدمرة الاميركية “كول” المرابطة قبالة شواطئ لبنان، واستطرادا سوريا؟ غالب كما حصل في السابق، ان الاساطيل لا تأتي من اجل لبنان، وانما لا يحرّكها سوى همين في المنطقة: خطر استراتيجي على اسرائيل، وآخر على منبابع النفط. والمشروع الايراني خطر في الحالتين.