رئاسة الجمهورية : عهد الصلاحيات
الدكتور شربل نصار
الدكتور شربل نصار
تناولنا في الجزء الأول من بحثنا، النضام السياسي في لبنان بشكل عام واستخلصنا أن لبنان يعتمد نظاما ديموقراطيا برلمانيا، ما ينص عليه الدستور صراحة. وأردفنا أن الديمقراطية اللبنانية ما زالت طرية تحتاج الى تدعيم وترسيخ. وهذا يتطلب عقد اجتماعي يتفق من خلاله أبناء الوطن على أسس سليمة تحفظ كيانهم وتحمي وجودهم وتؤمن حماية نظامهم. و يتوجب العمل على حفظ الديمقراطية وتجنيبها الاستغلال والاهتزاز. وأشرنا الى أن البرلمانية اللبنانية تتمتع بخصوصية معينة تأتلف مع طبيعة تكوين المجتمع اللبناني وتراعي خصوصياته. غير أن هذه الخصوصية تنعكس سلبا في كثير من الأحيان على طبيعة النظام فيتحول الى نظام معقد يتكبل فيه الحكم باعتبارات فارغة وقد تصل فيه الأمور نتيجة توليد الأزمات الى حد الاستحالة الحقيقية في حكم البلاد. وبالتالي يقتضي تقويم هذا الخلل وفق آليات علمية متطورة تأخذ بعين الاعتبار واقع المجتمع اللبناني.
في هذا الاطار، لا بد من الاشارة الى الواقع التقسيمي لتولي السلطة في لبنان بحيث توزع الحصص على الطوائف الكبرى. فيتناوب على السلطات الثلاث رؤساء لا بد أن ينتمي كل منهم الى طائفة مختلفة. فرئاسة الجمهورية حصة الموارنة ورئاسة الحكومة حصة السنة وللشيعة رئاسة المجلس النيابي. هذا العرف الدستوري هو ثمرة تفاهم لبناني تبلور شيئا فشيئا منذ عهد الاستقلال وتكرس في اتفاق الطائف دون أن يترجم نصا مكتوبا في الدستور اللبناني. وجاءت الممارسة لتزيد من تعقيد هذه الصيغة لدرجة أصبح في وقت من الأوقات كل رئيس، سلطة قائمة بحد ذاته يتمايز أو يتفق مع باقي الرؤساء حسب الظروف السياسية والطائفية والتداخلات الاقليمية والدولية. وهذا الواقع هو من الأخطر ما يكون على الكيان اللبناني.
ويبقى السؤال أين رئيس الجمهورية من هذا الواقع؟ هل هو فعلا رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن كما جاء في المادة التاسعة والأربعين من الدستور؟ أم هو مجرد شريك مع باقي الرؤساء بحكم البلاد فيشاركونه رئاسة الدولة ورمزية وحدة الوطن ويبقى ما جاء في نص المادة المذكورة حبرا على ورقة الدستور…؟
الاجابة على هذه الاسئلة تتعدى الاطار القانوني لتدخل عالم السياسة بما له من عناصر ومقومات على الساحة اللبنانية. ولا بد أن نستعرض بداية الصلاحيات الرئيسية لرئيس الجمهورية فنعطي عنها صورة واضحة يستخلص منها القارئ ما يشاء. ان رئيس الجمهورية في لبنان فقد بعضا وليس باليسير من صلاحيات كان يتمتع بها قبل تعديل عام 1990 أو ما يعرف بتعديل الطائف. فما هي أهم الصلاحيات المتبقية والمفقودة؟
صحيح أن رئيس الجمهورية ما زال، وكما نصت عليه المادة 49 من الدستور، رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور ويحافظ على استقلال لبنان ويرئس المجلس الأعلى للدفاع وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، الا أنه لم يعد مثلا من يتولى وحده ابرام المعاهدات الدولية. فهو يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة وهي لا تصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء. وكانت المادة 52 من الدستور قبل تعديلها بالقانون الدستوري الصادر في 21/9/1990 (ما يعرف بتعديل الطائف) تجيز لرئيس الجمهورية ابرام المعاهدات وحده ويطلع مجلس الوزراء عليها عندما تمكنه من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. ولا بد من الاشارة الى أن المعاهدات التي تنطوي على شروط لها علاقة بمالية الدولة والمعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة والمعاهدات التجارية فلا يمكن ابرامها الا بعد موافقة مجلس النواب.
وفي المادة 53 من الدستور انقاص لافت لبعض صلاحيات رئيس الجمهورية. فهو يترأس مجلس الوزراء عندما يشاء دون أن يشارك في التصويت. ولهذه القاعدة أثر بارز على صلاحياته. فهو ان شارك في جلسات مجلس الوزراء لا يستطيع الا أن يعطي آراءا استشارية غير ملزمة وبالتالي ان صوته غير مرجح في مقررات مجلس الوزراء اذ لا حق له بالتصويت. ويبقى تأثيره معنويا أو من خلال الوزراء المحسوبين عليه داخل الحكومة وفي هذا عامل سياسي محض. بيد أن هذا لا يعني انتفاء أي دور لرئيس الجمهورية في السلطة الاجرائية. فما زال بامكانه أن يلعب دورا مهما من خلال الصلاحيات المتبقية لديه في هذا الاطار. فهو يترأس مجلس الوزراء عندما يشاء وبالتالي يدير الجلسات عندما يحضر. ولادارة الجلسات تأثير في توجيه المناخ السياسي أو الضغط في توجيهه على الأقل. زد على أنه يستطيع عرض أي أمر من الأمور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال كما أنه يستطيع أن يدعو مجلس الوزراء استثنائيا كلما رأى ذلك ضروريا بالاتفاق مع رئيس الحكومة.
أما فيما يتعلق بتسمية رئيس الحكومة، فقد منحه الدستور هذا الحق ولكن بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استنادا الى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسميا على نتائجها. وتثير هذه القاعدة لغطا في الوسطين القانوني والسياسي. فيعتبر البعض أن الزامية الاستشارات هي في اجرائها وليست في نتائجها. بمعنى آخر ان رئيس الجمهورية ملزم باجراء الاستشارات دون أن يكون مقيدا بالنتائج التي تفضي اليها. أما البعض الآخر فيعتبر أن الاستشارات هي ملزمة باجرائها وبنتائجها على حد سواء حيث أن القاعدة الدستورية تفقد سبب وجودها اذا قلنا ان الالزام يقع على اجراء الاستشارات دون النتائج. فما معنى أن نلزم رئيس الجمهورية باجراء الاستشارات اذا كان غير مقيد بنتائجها ؟ وفي جميع الأحوال تجدر الاشارة الى أن هذه القيود لم تكن موجودة قبل تعديل القاعدة بالقانون الدستوري الصادر في 21/9/ 1990 حيث كان رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيسا ويقيلهم. هذه الصلاحيات انتفت بموجب القانون الدستوري المذكور.
أما فيما يتعلق بحل مجلس النواب، ليس لرئيس الجمهورية صلاحية الحل بعكس ما قد يعتقده البعض. جل ما له من صلاحية في هذا المضمار، هو أن يطلب الى مجلس الوزراء حل مجلس النواب وذلك في الحالات المنصوص عنها فقط في المادتين 65 و 77 من الدستور وليس لأي سبب كان. ويعود لمجلس الوزراء بناء على ما تقدم أن يقرر حل المجلس أوعدم حله. فاذا قرر حله يصدر رئيس الجمهورية مرسوم الحل (مراجعة المادة الخامسة والخمسون من الدستور). وهذه القاعدة تختلف مع سابقتها قبل تعديل 1990 حيث كان يحق لرئيس الجمهورية أن يتخذ قرارا معللا بموافقة مجلس الوزراء بحل مجلس النواب. ان الاختلاف يكمن في عدم تحديد القاعدة السابقة للحالات التي يجوز فيها حل مجلس النواب ولكنها كانت تفترض أيضا، كما بينا، موافقة مجلس الوزراء. واذا نظرنا الى صلاحيات رئيس الجمهورية باطارها العام، نجد له قبل تعديل 1990 دورا أكثر فاعلية في تشكيل الحكومة مما يزيد من امكانية حصوله على موافقة مجلس الوزراء. ولكن يبقى للعوامل السياسية التأثير الأبرز الذي يحول دون ممارسة رئيس الجمهورية لكامل صلاحياته.
ويبقى اصدار القوانين من صلاحية رئيس الجمهورية حيث له الحق بطلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لاصداره ولا يجوز أن يرفض طلبه. وفي حال أصر المجلس النيابي على القانون نفسه ورفض تعديله أو الغاؤه، عليه أن يناقشه مرة أخرى ويقره بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونا (العدد القانوني الحالي لأعضاء مجلس النواب هو مئة وثمانية وعشرون نائبا) ولا يكتفى بالأغلبية العادية. وفي حال انقضاء المهلة دون اصدار القانون أو اعادته يعتبر القانون نافذا حكما ووجب نشره (المادة السابعة والخمسون من الدستور).
ويصدر رئيس الجمهورية المراسيم ويطلب نشرها. ويحق له أن يطلب الى مجلس الوزراء اعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس خلال خمسة عشر يوما من تاريخ ايداعه رئاسة الجمهورية. ولكن اذا اصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ أو انقضت المهلة دون اصدار المرسوم أو اعادته يعتبر القرار أو المرسوم نافذا حكما ووجب نشره ( المادة السادسة والخمسون من الدستور).
ويحق لرئيس الجمهورية تأجيل انعقاد مجلس النواب مدة لا تتجاوز شهرا واحدا ولمرة واحدة في العقد الواحد (المادة التاسعة والخمسون من الدستور).
ولا بد أن نشير أخيرا الى ما يمر به لبنان من خلو في سدة الرئاسة حيث أوكلت المادة الثانية والستون من الدستور، في هذه الحالة، صلاحيات رئيس الجمهورية لمجلس الوزراء. وهنا تجدر الاشارة الى أن صلاحيات الرئيس تنتقل وكالة لمجلس الوزراء وليس لرئيس الحكومة كما يظن البعض.
بعد هذا العرض السريع لبعض وأهم صلاحيات رئيس الجمهورية، من الجدير التساؤل ما اذا كان رئيس الجمهورية فقد ما يمكنه من حكم البلاد وادارة شؤونها على نحو يمتلك فيه كلمة الفصل. وهذه من أهم التساؤلات التي تدور في أذهان المسيحيين علما أن رئاسة الجمهورية من حصتهم. وقد لا يهتم البعض من باقي الطوائف بصلاحيات رئيس الجمهورية واذا اهتموا فقد يشجعون الانقاص من صلاحياته بحيث يرون أن فقدانه بعض الصلاحيات يعزز بالمقابل موقعهم في حكم البلاد. هذا الواقع هو من أفدح الأخطار التي تحدق بلبنان بحيث لا ينظر، ويا للأسف، بكثير من الأحيان لرئيس سلطة ما (تشريعية كانت أم تنفيذية ومن بينهما رئاسة الجمهورية) على أنه رئيس لكل اللبنانيين ولكل لبنان بل لفئة منهم ولجزء منه.
في جميع الأحوال، من البديهي القول أن رئيس الجمهورية فقد بعضا من الصلاحيات التي تمتع بها قبل تعديل عام 1990 (ما يعرف بتعديل الطائف) والتي عززت موقعه أكثر مما هو الواقع عليه الآن. و تبقى الممارسة العملية بعد الطائف فقيرة لكي ترشدنا على مدى التأثير الفعلي لرئيس الجمهورية في الواقع السياسي اللبناني. والسبب يعود الى أن رؤساء الجمهورية الذين توالوا على الحكم في لبنان بعد اتفاق الطائف لم يتمتعوا بالاستقلالية الكافية لممارسة مهامهم بالشكل الطبيعي. وبالتالي لا يمكن الاسترشاد بتجربتهم لمعرفة مدى تأثير الصلاحيات المعطاة لرئيس الجمهورية على الساحة السياسية وكيف بامكان الرئيس استعمال صلاحياته على نحو يجعل منه اللاعب الأقوى. وهنا تجدر الاشارة للتنبه الى واقع النظام اللبناني. فنظامنا وكما سبق وذكرنا، هو نظام ديمقراطي برلماني. وأكئر من ذلك، ان البرلمانية اللبنانية هي برلمانية طوائف مع كل ما لهذه الطوائف من امتدادات خارجية ترخي بثقلها على الواقع اللبناني. وبالتالي يخطئ من يظن أن رئيس الجمهورية في لبنان بامكانه أن يتصرف كما يفعل رئيس جمهورية فرنسا مثلا أو رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأميركية.
نترك الأمر بنهاية المطاف للقارئ الذي له الحق أيضا أن ينظر ما اذا كانت صلاحيات الرئيس هذه، بما انتزع منها، كافية بحد ذاتها لتمكين الرئيس من لعب الدور المطلوب منه. هل هو فعلا كما يرى البعض أصبح رئيسا صوريا لا يعطه الدستور ما يكفي لادارة البلاد أم هو رئيس فعلي يستطيع بما تبقى له من صلاحيات أن يمارس مسؤوليات كبرى على صعيد الوطن؟