التفجير الاقليمي في لبنان
رامي الريس
مع تخلي مجموعة من الديبلوماسيين والسياسيين العرب عن قفازاتهم عندما يتحدثون عن الأزمة اللبنانية الراهنة وتبرعهم لتقديم توصيفات أكثر دقة حول الأطراف الداخلية والاقليمية التي تقف وراء التعطيل المنهجي لكل المبادرات السياسية وآخرها المبادرة العربية، نكون قد دخلنا مرحلة أكثر وضوحاً ولو أنها ربما أكثر خطورة.
عملياً، لم يكن الرأي العام اللبناني والعربي ينتظر تصريحاً من وزير عربي هنا أو هناك ليعلم أن النظام السوري وحلفائه في لبنان يتولون مهمة التعطيل إياها، ولو أن هذه الجهة السورية ونظيراتها اللبنانية مارست وتمارس حملات تضليل إعلامية منسقة لا تتوان فيها عن فبركة أكاذيب وتلفيق أخبار عارية عن الصحة تماماً. وأكثر ما ينطبق عليها قول المثل الشائع: أطلقوا الكذبة وصدقوها.
وبعيداً عن حملات التشويه والتشويش الاعلامي الفارغة، بات بحكم المؤكد بأن المعارضة في لبنان تعيش أزمة فعلية، لا بل إن بعض أطرافها تعيش أزمة وجودية حادة، وهو الواقع الذي تعبر عنه بعض أقلامها (ولو كانت موتورة أحياناً)، بسبب الإنسداد التام لأفق الخيارات السياسية المغلوطة التي تم إنتهاجها خلال العامين الماضيين. وبالتالي، فإن نظرية الانفجار الاقليمي من خلال الساحة اللبنانية قد تكون “المخرج” الأنسب للمعارضة للأسباب الموضوعية التالية:
أ- لقد تبين للقوى الاقليمية التي تقف وراء المعارضة أن مسألة المحمكة الدولية صارت حقيقة واقعة ولا مناص للهروب منها أو التراجع عنها، وأنها قطعت شوطاً كبيراً وهي في طريقها نحو الانطلاق الفعلي بعد سنوات من الانتظار.
ب- على المستوى الايراني، نقض التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية (بعكس تقرير الاستخبارات الأميركية الذي هللت له إيران وسوريا وحلفائهما في لبنان) المعلومات التي تقول بأن إيران لا تقوم بأنشطة نووية غير سلمية، وهو ما دفع حتى روسيا لتحريك العصا بإتجاه الجمهورية الاسلامية والتعبير صراحة عن عدم ممانعتها فرض عقوبات على إيران، بعد أن كانت قد زودتها في المرحلة السابقة بحاجاتها لاستكمال إنتاج الطاقة النووية. وبالتالي، فإن إيران باتت تستشعر أكثر من أي وقت مضى بإقتراب المواجهة مع المجتمع الدولي.
ج- لقد ثبت بالوقائع السياسية الحسية أن الأداء الذي قدمته المعارضة في لبنان لا سيما على مستوى التعطيل المؤسساتي والاعتصام المفتوح والتخويف والترهيب لم يفعل فعله، فلم يغير مواقف القوى الديمقراطية الحرة، ولم يسقط الحكومة. فهنا أيضاً أصبح الأفق مسدوداً بالمطلق.
د- في فلسطين أيضاً المأزق مفتوح على كل الاحتمالات: حصار غزة ثم إستباحتها بالقتل المنظم يعكس إنعدام الرغبة الاسرائيلية بالتسوية وعدم إستعدادها في ظل الحكومة الحالية الضعيفة بقيادة إيهود أولمرت على تقديم اية تنازلات جوهرية لا سيما في قضايا الحل النهائي: الحدود والقدس واللاجئين والدولة المستقلة. والوضع على الجبهة الفلسطينية ليس أفضل حالاً بعد إستيلاء حماس على غزة بالكامل والاقتتال بين الفلسطينيين وصولاً إلى المرحلة الحالية حيث الحوار مقطوع لا سيما بعد سقوط إتفاق مكة بإيعاز وتشجيع ورعاية من بعض الأنظمة الاقليمية.
ه- على المستوى العربي، من سوء حظ “مؤسسة” القمة العربية أنها ستنعقد هذه السنة في دمشق، في حين يعاني النظام السوري “المضيف” من شبه مقاطعة عربية شاملة وإشكالات في علاقاته مع معظم القيادات العربية بعض تعطيله إتفاق مكة وإسقاطه الحلول السياسية في لبنان وإستمرار سياساته المشبوهة في العراق.
مع كل هذه التطورات المتداخلة محلياً وإقليمياً، هل من “ساحة” أنسب من لبنان لكي يتم تفجيرها وتقديمها كموقع مواجهة أمامية لفتح كل هذه الصراعات دفعة واحدة؟ إذا كانت كل هذه القوى الاقليمية والدولية القيام بهذه المواجهة بعيداً عن أرضها، فلما لا؟
لأنه، ببساطة، في لبنان من يريد ذلك، كي لا نقول من يتمنى ذلك.